الهجرة على مدار الحمل» لرازان نعيم المغربي

كتبهارزان نعيم المغربي ، في 5 يوليو 2008 الساعة: 11:14 ص

الهجرة على مدار الحمل» لرازان نعيم المغربي

 كتب ر الروائي والناقد الدكتور محمد الباردي

في جريدة الصحافة التونسية

الخميس 15 ماي 2008

قراءات
ديوان «الهجرة على مدار الحمل» لرازان نعيم المغربي
عندما تكون السيرة الذاتية مقنعة
د. محمد الباردي
تعرض رازان نعيم المغربي ـ الشاعرة الليبية ـ نصها «الهجرة على مدار الحمل» (دمشق 2004) على انه رواية. ذاك هو عقد القراءة الذي تقترحه المؤلفة على قرائها. ونحن في الحقيقة لا نجد اي ملاحظة داخل النص تشير من قريب او من بعيد الى علاقة النص من حيث انه قصة حياة مؤلفته. واذا اردنا ان نختزل وقائع هذه الرواية ـ نقبل مبدئيا هذا الميثاق ـ نقول بكل بساطة انها قصة حب ولكنها قصة حب عصرية لا علاقة لها بقصص الحب التي نقرؤها في الروايات الرومانسية ولا في تلك الروايات الواقعية التي تنزع نزعة ميلودرامية. فالكاتبة تهدي روايتها الى رجل احبته «اليك ايها البدوي الذي نزع اوتاد خيمته من الصحراء، وغرسها على قمم جبال الشمال، سأحبك مثل امرأة بدوية» وتصدرها بقولتين لشاكر الانباري تتعلق الاولى بالمكان «المكان رغبة» «تتولد في القلب ويسعى اليها الجسد» وتتعلق الثانية بالكتابة «الشجاعة جزء من موهبة الكتابة، ليس شجاعة التدوين فقط، بل شجاعة الاستبعاد والتمزيق ايضا: شجاعة التجاوز، ومغادرة الاشياء لا تلائمنا دون اسف» ولا شك ان الكاتبة تلمح من خلال هاتين القولتين الى علاقتها بالمكان اذ عاشت بين مدينتين: دمشق وطرابلس الغرب وفي المدنيتين عاشت متأرجحة بين الشرق والغرب وهي كذلك تلمح الى فهمها للكتابة عسى ان تكون هذه الرواية تحمل معنى التجاوز والتخطي.
وعندما ننظر في مدونة الرواية النسائية، نلاحظ ان الكاتبة العربية تميل في اغلب الاحيان الى ان يحمل نصها الاول شيئا من ذاتها ان لم يكن ذاتها كلها ويكفي في هذا السياق ان نشير الى الاعمال الاولى التي كتبتها ليلى بعلبك وغادة السمان ولطيفة الزيات ونوال السعداوي. ونحن لا نعتقد ان هذه الرواية تشذ عن القاعدة.
وفي الحقيقة تعتمد المؤلفة السرد الروائي. فالساردة وهي صوت نسائي بامتياز يوظف ضمير المتكلم وتروي وجوها من قصة حياتها الشخصية، تبدأ بعودتها الى طرابلس من مدينة دمشق التي ولدت فيها وعاشت فيها طفولتها وجزءا من شبابها «ها انا اعلن عودتي اليك طرابلس، هذا الصباح! فتقودني خطواتي الى بحرك، كان علي التوجه الى مقر عملي، فاذا بشعور غامض يدفعني نحو طريق الميناء، اوقف محرك سيارتي، واتأمل امواج الشاطئ من بعيد، وهي ترتفع لتقبل سور الميناء» (الروائي ص9). وتنتهي والشخصية الساردة تتلهف الى عودة الحبيب المهاجر «اعرف ان عودتك نهاية غير حتمية لكل ذلك الشقاء اللذيذ الذي يهدني على وجع غيابك المتكرر! وكأنك ـ يا بحر ـ قررت تبادل الادوار معي هذه المرة! فها انا البحر الذي ينتظر عودة سمك السلمون الى حضنه الدافئ» (الرواية - 224) وبين البداية والنهاية رحلة حياة تتخللها قصة حب ترويها الشخصية، الساردة، بشيء كثير من الامعان والرؤية والتحفظ.
تعمد المؤلفة الى تقطيع خفيف للسرد عن طريق سرد حكايتين بل جزءين من حكاية واحدة يتقاطعان ويبرر احدهما الآخر. يتعلق القسم الاول من الحكاية بحياة الشخصية الشاردة وتدعى زينة في مدينة دمشق. فتعلم انها من عائلة ليبية هاجرت الى العاصمة السورية اثناء الاحتلال الايطالي لليبيا ضمن هجرة الليبيين التي نظمتها السلطات التركية قبل سقوط الخلافة العثمانية «وكان ان عبرت اكثر من مائة وعشرين عائلة البحر المتوسط، لتستقر في بلاد الشام، وهذا قرار عائد للدولة العثمانية والتي لا تزال تعتقد ان ليبيا جزء من امبراطوريتها الواسعة… فأبحرت سفنها تمشي على رؤوس أصابعها، متسللة ليلا، عابرة المتوسط الى موانئها…» (الرواية ص31). وفي هذا السياق يتسع السرد ليتحدث عن الجد الذي تزوج شركسية على زوجته الاولى وعن الوالد الذي تزوج امرأة من بلاد الشام، ثم قرر العودة الى موطنه الأصلي بعد رحيل المستعمر وعن حياة الشخصية الساردة في اسرتها المهاجرة وعن زواجها الذي انتهى بعد ان ظلت متأرجحة بين رجلين. احبت الاول ولم تتزوجه ووجدت في الثاني بعض صفات الاب فتزوجته «تزوجته، وبكثير من المشقة بارك اهلي هذا الزواج… كانوا يطمعون بزوج له مواصفات مختلفة، ثري ومركز مرموق، وامي تميل الى خالد، وتجده افضل من ادهم، ورأيت في ادهم تلك الصفات التي احببتها في والدي، واهمها تلك الثقة الكبيرة… وقلت: هذا هو الرجل الذي اريد… من لا يسلبني حريتي واستقلاليتي ولا يغار من نجاحي….» (الرواية ص71). ولكنها عندما ترملت ادركت انها لم تكن تحب هذا الزوج الذي ترك لها بنتا اسمها لينا وندما لم تستطع ان تتجاوزه الا بمشقة «اجل، حقيقة، واجهت ادهم بها حتى قبل وفاته، لكن الندم على ما فات لم يجد، حملته الذنب ثم تراجعت والقيت باللوم على نفسي، لانني لم اعترض ـ بقوة ـ على تصرفاته: قالوا عنا زوجين منسجمين ورائعين، ولما انهارت تلك الاسوار بعد وفاته، اسفوا، وقالوا «حظهم عاثر» (الرواية ص103). يتقاطع هذا الجزء من الحكاية مع حياة هذه المرأة الشابة «زينة» في مدينة طرابلس. فبعد الترمل والخيبة في دمشق قررت العودة الى وطنها الاصلي لتعيش مع ابنتها «لينا» قريبة من عمتها التي سبقتها الى العودة مع زوجها. وفي هذه المدينة البحرية «طرابلس» تعيش حالة عشق دائمة عندما خفق قلبها للرجل الذي احبته «الا تذكر يا عمر ان في داخلي امرأة ـ الآن ـ تخبرني قائلة: اكسري جليد الوقت، واحتمي بدفء الصبر، ثم اسمع صوت اخرى تقول: بل دعي التمرد واذهبي نحو المهادنة، وثالثة تصر ان امنح ثورتي اجازة سنوية، واعطي فرصة للهدوء واخرى، واخرى…» (الرواية ص216).
وفي هذين الفضاءين تبني الشخصية ـ الساردة علاقات ثانوية مع مجموعة من الشخصيات المحيطة بها وهي العمة وابنها وزوجها والأم والأخ والصديقة سمر وصديق العائلة عبد الرحمان والصيدلي الذي دعاها الى الزواج، وكل ذلك يؤكد لنا بكل بساطة أننا إزاء حكاية شخصية تروى بأسلوب روائي ومع ذلك تبدو لنا الإحالة المرجعية قوية في هذا النص ويتقلص تبعا لذلك البعد التخييلي. ذلك ان القارئ لا يجد صعوبة في الربط بين هذه الحكاية الشخصية وبين الحياة الشخصية التي عاشتها المؤلفة رزان نعيم المغربي. فحياة زينة في النص الروائي وحياة المؤلفة تتطابقان الى حد بعيد بل نكاد نقول ان المؤلفة تروي في هذا النص السردي قصة حياتها عندما نعلم انها ابنة عائلة مهاجرة الى دمشق وهي تعيش في طرابلس مع ابنتها وغيرها من الأحداث التي وردت في النص وتحيل إحالة مباشرة على وقائع من حياة المؤلفة. فالسرد يتخذ أحيانا شكل الاعترافات «لماذا كانت تعني ان اجلس مع كل واحد يسألها، وأضع حياتي على طاولة التشريح، أغري جسدا مطعونا بالخيبات، وأطرافه مكسورة، من أجل آمال وانتصارات حلمت بها، فوجدتها وهمّا عشت عليه سنوات طويلة، محرومة فيه من تحقيق واحد منها … على الأقل، فما حظيت به» (الرواية ص.80) ويتخذ احيانا اخرى شكل المذكرات او اليوميات «قررت ان اكتب يومياتي، وصرت خوليو ينهمر مثل انهمار تلك الصور القديمة من ورق ألبوم الزمان : بلغت الثامنة عشرة، قادتني الدراسة الى مدرج جامعة دمشق، وأخذت اقود ذلك الطغيان داخلي، اريد السيطرة عليه. كان اعصارا ملتوي ملتفا حولي، بهالة تشع» (الرواية ص. 70-69. نضيف الى ذلك الصيغة الاسترجاعية التي تعتمدها المؤلفة في سردها لوقائع حياتها في دمشق في شكل مجموعة من المقاطع السردية ولكنها مقاطع متلاحقة في الزمن اذ تنطلق من نشأتها الاولى وتصل الى موت زوجها وترملها واتخاذها قرار العودة الى طرابلس.
ولكننا عندما ننظر في طبيعة الاحداث التي ترويها نلاحظ ان الاعترافات محدودة وان تعريها للنفس كان في حدود ما تقبله الموافقات الاجتماعية. فلئن اعترفت انها لم تكن تحب زوجها بالقدر الذي يسمح للحياة الزوجية بالتواصل وانها ظلت على علاقة محدودة برجل كان قد أحبها وكان صديقا لزوجها فان الحياة الشخصية التي سعت الى الكشف عنها لم تكن حياة مثيرة. والصورة التي يخرج بها القارئ عن هذه المرأة التي تروي قصة حياتها هي انها امرأة رومنسية لا شك ولكنها تظل تحافظ على توازنها النفسي، فهي بعبارة اخرى لا تعيش ازمة بعينها في علاقاتها بالرجل رغم تأكيدها على شخصيتها المستقلة. ولعل المقطع السردي الوحيد الذي يبلغ فيه الاعتراف حدا من الجرأة هو ذلك الذي تصف فيه الشخصية. الساردة مشهدا جنسيا، يجمعها بالرجل الذي احبته بعد موت زوجها ووعدها بالزواج «سحبني من يدي، احتضنني بشوق ولهفة، لفني بقامته الطويلة، فاستسلمت لتلك القبلة، فاذا بي أشب معه، واقفز فوق زمن بائس تخطيناه، واخذنا نمنح الوقت عطاء بلا حدود، وتسلل عالم خارج عقارب الوقت، وقفنا مقتربين من حافة السعادة المطلقة، نخشى الاقتراب منها اكثر، خوفا من فقدانها .. (الرواية ص 167) والمقطع السردي، على طوله، اكتفى بالايحاء دون التصريح، متوسلا الاشعارات ومبتعدا عن التعبير المباشر «خضنا معارك حول احتلالها، أسبقه، يتحداني، يتقدمني، اوغل في الثأر منه، يأبى الانهزام وهو يصر على تسجيل انتصار نهائي. اعيد التقدم بين كرّ وفرّ، كانت معارك صغيرة تدور، اعلن الانهزام له، ارفع الرايات البيض، اطالبه بالرحيل مستسلمه، يأبى الانسحاب .. (الرواية ص 168).
والى جانب هذه الاعترافات الشخصية يقدم النص شهادة على حياة المهاجرين الليبيين في النصف الاول من القرن العشرين الى سورية. يشهد النص على حياتهم اليومية وعلى محافظتهم على تقاليدهم وعاداتهم وقد اختاروا حي الشيخ محي الدين ليكون موطنا لهم في مدينة دمشق. ولكنهم عاشوا فيه متمسكين بشخصيتهم الليبية. ابناء الجالية الليبية الذين اضاعوا الوطن.. ابوا أن تضيع ذاكرته، لموا شملهم بحنان بالغ، وحملوا معهم كل تقاليدهم، اقاموا طقوس افراحهم وأحزانهم، التي اختلفت عما ساد في دمشق، وكانوا حريصين اشد الحرص على زواج بناتهم من ابناء الجالةي، لتبقى للطقوس قدسيتها، فكان العرس يقام سبعة ايام، ولكل يوم اسم وطقس جميل يتباهون به امام اهل دمشق» (الرواية ص 36) ولذلك لا يخلو هذا النص السردي من بعد تسجيلي «قبل ان يأتي الليبيون قدمت الجالية الجزائرية مع الأمير عبد القادر الجزائري لتقيم ايضا في حي الشيخ محي الدين والمهاجرين والسويقة وكثير من الاحياء …اعتادوا ان يتذوقوا الطعام القادم من شمال افريقيا والمشهور (الكسكسي) فأطلق عليه الشوام المغربية، كانت هذه الوجبة الغنية باللحم والخضار وطريقة تحضيرها المعقدة، بالغة الغرابة، حيث تتطلب ادوات لم يسبق ان طهوا فيها طعامهم، فنالت اعجابهم (الرواية ص36) ولكن المؤلفة تعبر ايضا بفضل مدينة دمشق عليها بل تحرص على اظهار عشقها لهذه المدينة التي ولدت فيها وعاشت فيها حياتها الاولى «دمشق تنام داخلي، او هكذا يخيل الي، فاذا بنهوضها في الذاكرة يدهشني، مشتعلا بالحنين وروائح القهوة والياسمين، وعبق بهارات الحارات القديمة التي عشقت أسير فيها على غير هدى وفي دمشق عرفت انني صبية جميلة، يطاردها المعجبون ويطلبون ودها، ومن اقترب منهم عرفوا ان الوصول مستحيل » (الرواية ص 69).
ان الطريق في هذا النص السردي يتمثل في انه جمع بين تقنيات الرواية ومحتوى السيرة الذاتية. فالذات المتكلمة هي الذات الكاتبة والذات الكاتبة هي كذلك الذات الموضوع رغم غياب القرائن النصية التي تؤكد اننا ازاء سيرة ذاتية ولذلك لا يمكن ان يكون هذا النص السردي الا رواية سيرة ذاتية بمعنى ان المؤلفة رازان نعيم المغربي تسرد حياتها الشخصية بأسلوب روائي، واذا كان هذا الاثر باكورة انتاج المؤلفة فان رازان المغربي لا تشذ عن القاعدة عندما تبدأ حياتها الأدبية السردية بالـحديث عن ذاتها.
ولكنه حديث محتشم ، نفهم من خلاله ان الكاتبة ترفض اسلوب الاثارة ولا تنخرط في طرح قضايا الجنس والمسائل النسوية كما فعلت ذلك كاتبات معروفات اذ انها تحدثت بصوت الانثى ولكنها الانثى الحالمة التي تلون حياتها بشيء من الرومانسية وبكثير من الواقعية.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتبوا عن اعمالي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “الهجرة على مدار الحمل» لرازان نعيم المغربي”

  1. الهجرة سيدتى الطيبة كلمة تصاحبنى طيلة غربتى ولاأتمنها لأحد وشكرآ ودمتى بخير ابن ليبيا المهاجر بن فايد

  2. رزان

    كل ما دخلت الى هنا

    اجد متعة فى الرواية وروعة فى الحبكة

    مودتى اليك

  3. “وعندما ننظر في مدونة الرواية النسائية، نلاحظ ان الكاتبة العربية تميل في اغلب الاحيان الى ان يحمل نصها الاول شيئا من ذاتها ان لم يكن ذاتها كلها ويكفي في هذا السياق ان نشير الى الاعمال الاولى التي كتبتها ليلى بعلبك وغادة السمان ولطيفة الزيات ونوال السعداوي. ونحن لا نعتقد ان هذه الرواية تشذ عن القاعدة”

    لماذا نظل نميز بين أدب رجالي وآخر نسائي؛ لن يكون في هذه الحالة أدبا؛ كذلك الرجال يبدأون بالذاتية؛ الذاتية غير مرتبطة بجنس بقدر ما هي مرتبطة بحب الكاتب إبراز ذاته وحجز مكان له بين كينونات الآخرين؛

    دمت موفقة ورائعة عزيزتي؛

    علينا أن نخرج من التقسيمات الكلاسيكية للأشياء كل الأشياء؛ مثلما قلبت التكنولوجيا الموازين؛ كذلك يلزمنا كم هادر من الأحاسيس والرؤية النافذة لنقلب موازيننا فتعتدل؛ ربما نتحرك عن نقطة ما قبل الصفر التي ظللنا نراوح فيها منذ أزيد من قرون؛

    مرة أخرى دمت ودام ألقك؛

  4. المبدع ابراهيم

    تحية كبيرة لمرورك هنا واحيي ابداعك ونصك الجميل وستكون مدونتك من بين افضل المدونات التي ارغب في زيارتها



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر