السلمون يرجع إلى مدافئه

كتبهارزان نعيم المغربي ، في 25 أغسطس 2008 الساعة: 09:17 ص

الناقد الدكتور صلاح الدين بوجاه

يكتب حول رواية الهجرة على مدار الحمل

عن مجلة/ الموقف الأدبي

dsc023

الكاتبة/ رزان نعيم المغربي

السّلْمُونُ يرجع إلى مَدافئه! ـــ د.صلاح الدين بوجاه

يوسم كتابُ الشاعرة رزان نعيم المغربي بنعت رواية، لكنّه يقوم في حقيقة الأمر على رحلة معاكسة تؤدبها الساردة نحو ينابيع البداية هجْرَةً على مدار الحمل(1) تتضمن ثقوباً في الذاكرة ودمشق في الذاكرة وهجرةً وحبّاً على مدار الحَمَل ووقائعَ حبّ معلن ونهايات غير حتمية(2). فنكون حيال إشكال أوّلَ: أنحن إزاء رواية، بالمعنى التخيلي المصطلح، أم نكون إزاء سيرة ذاتية ـ فردية أو جماعية ـ أم في حقيقة الحال إزاء الأمرين معاً، في تركيب تأليفي يتخطاها في آن واحد.‏

ههنا يُسهم نص رزان المغربي في إثارة إشكال أساسي نابع من تحديدنا للجنس الروائي. وهو تحديد نتوقُ منذُ البدء إلى الجزم بصعوبة، بل باستحالته أصل. إذ يُمكننا أن نقول إنه لا توجد بنية متعددة كثيرة غير ثابتة مثل البنية الروائية، رغم وجود من يزعم عكس هذا!‏

إنّ هذا النص يُسهم بهذا السؤال الجوهري في بلورة مفهوم للرواية التي يبدو أنّ كل نصّ جديد من نصوصها يُحاور سمات جديدة جامعة مانعة له.‏

فالتاريخ الذي ورثته الساردة عن أبيها، الذي ورثه بدوره عن جدّها، يقول إنّ إيطاليا في الزمن القديم كانت قد قررت تستعمر ليبيا لأطماع تخصها، وتطارد المقاتلين والثوار… وفي فترات الهدنة..‏

(1) هجرة على مدار الحمل، رزان المغربي، رواية، الأوائل 2004.‏

(2) المصدر نفسه ص2/6 (الفهرس)‏

كان لابد من الاختباء إلى حين، واختيار مواقع أفضل للهجوم… حتى لو كانت تبعد آلاف الأميال عن الوطن المحتل(1).‏

على هذا الأساس عبرت مائة وعشرون عائلة البحر المتوسط للاستقرار في بلاد الشام، تطبيقاً لقرار الدولة العثمانية التي كانت تؤمن بأن ليبيا والشام مجرد أجزاء من أملاكها الواسعة.‏

تلك وقائع التاريخ المعلنة، بيد أن إحساس الفرد بها، وتقبله لها، خاصة على أثر عودة أخرى، بعد عشرات السنين، إلى ليبيا الموطن الأول، لم تكن تحدث دون شُعُور بفقدان مَا، أو حرمانٍ مَا يَنْشأ في أقصى الحلق مُراً حيناً، عذباً حيناً آخر، لكنه في حالاته جميعاً مُناقضٌ للهدوء والسكينة، وصنو للقطيعة والتردد!.‏

تَنْثالُ الأحداثُ على لسان السّاردة منذ الكلمة الأولى معلنة عن حلفٍ مع المتقبل يُمكن أن يَحْدُثَ فيه إيهامٌ بالاندغام بين الساردة، ورزان نعيم المغربي، فيلبثُ القارئ متأرجحاً بين وهم البوح، وإيحاءات الوهم التي تجعل من كلّ عمل فنيّ عمل مُتخيّلاً بعيداً عن ذات مبدعه! أو قل يغلب أن يكون بعيداً عن ذات المبدع قريب منها في الآن نفسه!‏

على سراط كحدّ السيف يمضي السرد مُسترداً رحلات سابقات، ومُحيل على سفر آخر ممكن عبر مقبل الدهر؛ حتى إن متتبع هذه العَوْدَات المتكررة يكاد يجزم بأنّ الرواية بكاملها يُمكن أن تختزل في هذه الحركات المتبادَلة بين الماضي والحاضر، والحاضر والمستقبل.‏

فتقوت في الذاكرة تستهل منذ البداية بإعلان العودة إلى طرابلس: هاأنا أُعلنُ عودتي إليك طرابلس من الصباح؟ فتقودني خطواتي إلى بَحرك(2). هكذا يبدو البحر مولداً لذكريات لا تنتهي، فما إن تُفتح النافذة حتى تنسرب النسمات ومعها رائعة البحر وصفحاتُ الحكايا تنفرط أوراقها مبعثرة مزدحمة بالصور نظير قطع الفسيفساء، فتمتزج رائحة البحر برائعة الأنوثة والذكرى… وتكون الكتابة وليدة إخصاب ممكن، لذيذ هادئ، يحدث في لحظات العودة بين الساردة والبحر. وتبقى الرائحة خيطاً دقيقاً خفياً يجرّ الكتابة، كما يجر الكتابة، عبر طرابلس ورائحة الدواء في الصيدلة، و رائحة البحر، ورائحة الرجل التي تتوارى خلف الأشياء كلها.‏

أما الجزء الثاني من ثقوب في الذاكرة، فيفتتح بالإلماح إلى هجرة أخرى، ضمن العودات الكثيرة المتتالية: أنا، سليلة ذا الشتات.. حين ركب جدي واثنان من أخوته بَابور البحر مهاجرين، كان الأصغر بين أخَوَيْه.. وعمُره لا يتجاوز السابعة والعَشَرين(3)، هناك تُزرع التقاليد الليبية في قلب المزيج الجديد الوافد من كل حدب من أوصال الإمبراطورية العثمانية المتناثرة.‏

في الجزء الثالث عودة إلى طرابلس التي أضعت في عيني الساردة تُسبّه امرأة خارجة لتوها من البحر مغتسلة بيوتُها البيضاء بملحه.‏

هكذا تمضي النصُّ بين عودات فعلية، ورحلات متوهمة، وأخرى ممكنة في مُقبل الدهر ناسجاً أحلافه مبرراً انفلاته الطبيعي نحو هذه الوجهة أو تلك.‏

وهكذا يسجل الدارس تأرجحاً بين الماضي والحاضر متحكماً في بنية الأسر، مُصرّفاً أحواله، مُسهماً في نحت معالم شخصياته.‏

ولا شك أن هذا التأرجح يستجيب إلى نازع قوي لدى الساردة، نابع من الذكرى في حدّ ذاتها، أو قُل من بنية الذكرى، القائمة على حال حاضرة، وحنين إلى حال أخرى مضت وانقضت. بنية الذاكرة هي ذاتها بنية العشق.‏

والكتابة ههنا تنشئ سرةَ الحكايا طفولية رائعة من العشق الصادق، والأقل صدقاً… من العشق الواقعي المنسجم مع حياة الناس في تقلبها وتبدلها.‏

في تناولا لحالات العشق هذه نَلْمَسُ صدقاً، ونلمس عفوية، وسلاسة كالماء تسيل. هنا أوجُ الفنّ في هذا العمل البكر لشاعرة لا تهجر أدواتها الأولى، وألوان طفولتها، وحبر صِبَاها ترسم بها ذكريات آفلة من صناديق الأيام.‏

ههنا نشيرُ بإصبع الصدق إلى مواطن ساردة من جمال الأسلوب، وسلاسة السرد، وترفق المعاني، حيث تَغْدُو القراءة هدهدة المستقبل نفسه. وفرح هذا نجاحٌ لساردة تتمكن من إحداث حالٍ من العدوى في صلتها بالقارئ المفترض.‏

على نفس السراط، ونحو نفس الغاية، تسير بقية الفصول في توازن منسجم مع دفق داخلي يوازي بن هذه الوحدات مثلها توازي الشاعر بين المقطع والمقطع في قصيدة طويلة [ثقوب في الذاكرة: ستة أجزاء/ دمشق في الذاكرة: ستّة أجزاء/ هجرة وحبٌ على مدار الحمل: خمسة أجزاء/ وقائع حبّ معلن: ستة أجزاء/ نهايات غير حتمية: ثلاثة أجزاء].‏

وأكاد أجزم بأن هذه الهدهدة في السرد ـ بعد أن تكون صنيع شاعرة ـ هي صنيع أنثى عاشقة، أنثى أمّ، أنثى متعلقة بوطنها هذا الذي يؤلمها تشتته، أنثى كاتبة.. في نهاية المطاف؛ إذ في الكتابة لملمةٌ للحالات كُلها في حالة واحدة عليا تُصعّدها وتخترقُ سكينتها، وتنثرها في مستقبل ممكن.‏

لهذا فإننا نؤكد أنّ هذا العمل السردي الزائف يبقى في خانة وسطى بين السيرة الذاتية، وسيرة العشيرة، وسيرة الكتابة.. حتى لكأنه بالسيرة الروائية أمَسُّ رحماً. على مرمى حجر من عديد النظريات النقدية نسجل واقعية الكثير من الإشارات غير الذاتية في هذه الرواية، خاصة فيما يتصل بالهجرة من ليبيا إلى بلاد الشام، وفي الإلمام إلى العديد من البنى المتحكمة في المجتمع الليبي المعاصر، بيد أننا نسجل بالأساس غنائية أصلية متحكمة في جغرافيا هذه الملحمة التي يتآلف فيها الأصغر والأكبر.‏

فعلاً، يتداخل العالمان الأصغر والأكبر في بناء دقيق بحيثُ يغدو ألم الفراق صنوا لخسران الوطن برمّته. ولعلنا نظفر في هذا المجال خاصة بوظيفة الأدب.‏

فَهَل الشعر، والقصة والرواية غير إمساك بلحظات آبقة من توازن الفصول تتراءى فيها الموجودات والأحاسيس في مرآة النفس لتسجيل ضعفها واندحارها وخسرانها؟‏

في هذه الخانة نزجّ بالسرد لدى رَزان نعيم المغربي مؤرخين لغياب شاعرة وميل ناثرة. والحقُّ أننا لم نتوسع في الاطلاع على نماذج من شعرها، لكننا نلمس أسلوبها في هذا النثر الرائق الذي يمزج بين بهاء الصورة وتوازن الجملة، وسلاسة السرد في عمل يجمع بين معاناة الذات واقتضات الجماعة.‏

في هذا الفضاء بين السيرة الذاتية، وسيرة العشيرة تنبثق هذه السيرة الرّواية، أو قل السيرة الروائية ناسجة خيوطاً من الذاكرى، واصلة بين البلدات، راتقة فتقَ الوجود العربي، مؤذنةً بولادة موطن جديد مُفترض هو موطن الكتابة، الكتابة الممكنة المُفضية مُستقلاً إلى إمكان انبثاق كيان ذاتي جديد، وكيان جماعي مختلف، ووطن آخر ممكن!‏

لهذا تراني أميل إلى التشبث بالفكر التي ما فتئت تتردد عبر الرواية بين الفينة والأخرى، ألا وهي فكرة الإمساك السابحة ضد التيار في حركة لا تفي تسترجع البدايات القائمة على ثنائية العودة والغياب.‏

فالفصول جميعها تتضمن انطلاقاً من مكان وانبثاقاً في مكان آخر، ورحيلاً من شعور إلى شعور، وتردّداً بين زمان وزمان، حتى لكأنّ الحالة الطبيعية عند رزان المغربي تلبث مقترنة بالرحيل، أما ما عداه من إقامات مؤقتة هنا وهناك فلا يعود أن يكون استثناءً.‏

لهذا فإننا نستشف فكرة أساسية في هذا النص الآسر غير موصولة بالواقع المولد للكتابة أنها بالوضع النفسي للساردة. وهو وضع لاَزَمَ انبثاقَ العمل بكامله. فلعلنا نجذع إلى تأكيد أوّلي ينبع من إحساس بأن الكتابة عند هذه الشاعرة الروائية تنبع من فكرة الرحيل، والتقلقل، والتردد.‏

تقوم على هذا الانطباع شواهد جمّة، منها قولها لدى مفتتح الجزء الأول من دمشق في الذاكرة: عدت إلى البيت، سعيدةً بمحاولتي التخفيف عن سمر(4)، لكن الساردة تفتتح الجزء الثاني بالإشارة إلى رحيل آخر: … حينها قررتُ البقاء معها القمّة) بعد وفاة أدهم لم تحتملني…. رحلتُ كي لا تشعر. بحملها مسؤوليتي(5)، ولعلها تصرّح طيّ ذلك كله بعودات مُفترضة أخرى إلى المراهقة: في طريق عودتي مساءً، تنسمتُ رائحة دمشق في ذاكرتي، تطاردني بعبق القهوة التي حملتُها من بيت عمّتي.. وصوت إيغليسياس في مسجل السيارة.. وتساءلت ما هو سرُّ صوته، كلما سمعتُّه ينقلني إلى عُمر المراهقة، وشرفة بيتنا في حي المهاجرين(6).‏

هكذا يمضي النص، بين عودات فعلية وأخرى مفترضة للإلحاح على فكرة الرحيل، والإحساس به، والانطلاق منه والعودة إليه في حركة لا تني، في حركة غير موصولة بالرحيل الفعلي ـ وعلاماته كثيرة ـ إنّها هي برحيل آخر أوثق صلة. فالساردة ترفض المكان وترفض الزمان وتعيش الذكرى.. سواء كانت ماضية أم ممكنة في مستقبل الأيام.. فنفتتح بأن هذه الرفض يُلازم حالة أصيلة لديها هي حالة الكتابة.‏

إنّ الرواية تسيرُ قُدُماً نَحَو نهايتها فصلاً بعد فصل. فعلى الرغم من إيحائها بأنها لا تعدو أن تكون من قبيل التداعي فإنها قد كُتبت بحرفية جَليّة وتتمكّن من تقنيات النص الروائي. فبعد أن أدركت الكاتبة أنّ الذكرى هي مُنبَثَقُ عملها.. نلفيها تُسَلُ إلى توظيفها بذكاء عبر جميع الفصول. فهذا هجرة وحُبٌّ على مدار الحمل

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتبوا عن اعمالي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر