قصة قصيرة- للا عيشة

كتبهارزان نعيم المغربي ، في 17 سبتمبر 2008 الساعة: 23:30 م

قصة قصيرة

للاه عيشة

 bestwa

لِلاَّه عيشة

قصة قصيرة: رزان نعيم المغربي                                     ‏18‏/‏04‏/‏01 

 

حينما طلبت الإذن من والدي، كي أذهب بالسيارة وحدي إلى الجبل، دهش من التوقيت، إذ إن المسافة تستغرق ساعتين من الوقت، ولم يتبق على غروب الشمس أكثر من ساعة ونصف، لكنه رضخ لطلبي، فقط،  لأنني أنوي زيارة جدتي (للاَّه عيشة)

انطلقت مسرعة ولكنّ أفكاري القلقة سرعان ما هاجمتني،وأخذت أحدث نفسي بأنهم جميعهم، سيرفضون، ويقفون ضدي، لأن الكل، وأنا أيضاً، أحب( للاه عيشة)، هذا أول ما خطر لي، ويدي عالقة بمقودِ السيارة، والتي لم تبق ثابتة بل أخذت تميل  ذات اليمين واليسار لكثرة المنعطفات على طريق الجبل، لكن نظري يمتد نحو ذلك الأفق الصاعد ببطء، حيث بلدتنا المترامية على أطرافه.

         استسلمت لاهتزاز السيارة، وهي تتمايل في صعودها وانحدارها، وكنت استرق النظر أحياناً في الاتجاهين، متأملة وملتقطة إشارات الربيع المنفتحة بواكير أزهاره،على يمين الطريق ويساره،  وفي ذهني أسئلة ملحة، ولا أملك لها الإجابات.

        كنت معلقة  بين طرفي أرجوحة، في فضاءِ ضبابي، أرجوحتي تصعد مرة باتجاه آفاق الحلم، حيث استسلم له بشرود فكر، ملتقية حبيبي طارق، وحالما يسقط عليّ انبهار ضوء الشمس،  يصطاد ني القلق، فأهبط من أوهامي،  و أتذكر تحذير أمي لي، من أ ن جدتي((للاه عيشة))، ربما وقفت عائقاً أمام قصة حبي،  وقد يكون لرأيها الأثر الكبير عند والدي، والذي سيرفض حتماً نزولاً لرغبة والدته.    

        وتصعد نهدةٌ حَرَّى،  أسمعُ معها صوت أنفاسي لاهثةًٌ. ومن ثمة، استغرق في تفاصيل مبهمة، لقصة حب كبيرة عاشتها جدتي، وانتهت بمرارة وفشل، بسبب جد طارق حينما كان ما يزال شقيقُ زوجها قبل زواجها بجدي.

        ينقبضُ داخلي، وأتخيلُ مقدار الألم الذي سوف أتسببه لجدتي، وهي الغالية عليَّ  وعلى كل الصبايا والشبان من أسرتنا والذين رعت قصص حبهم وحمتها حتى سارت إلى نهايتها السعيدة.

 الكلُ يقدر سعة صدرها، ويعتبر بيتها الواسع، وحديقتها الجميلة، ملاذاً رائعاً، لهذا استحق بيتها اسم الحب،.

جدتي، رقيقة القلب، ودودة وقد جاوزت السبعين، لكنها مازالت تحيا بقلب فتاة عاشقة لم تتجاوز العشرين، إنها تفهمنا وترعانا أكثر من أهلنا، هي دوما قريبة من أعمارنا لأنها لم تكبر مثل الجميع .

        إنها لا تتبارى مع الزمن، فهي غلبته بشجاعة الإخلاص لحبها،تجوهرت به ارتدته فتألقت بالطيبة، لكنّ السؤال مازال ملحاً، يطاردني هل سترفض قصة حبي أنا؟؟

                          

*******************

 

جدتي كانت؛ وما تزال متميزة عن الجميع، والسّر، هو أنها اختلفت عن نساء عصرها،  هو نشأتها ابنة لشيخ القبيلة (الجد الكبير)،والذي لم يرزقه الله بسواها، بالرغم من انه تزوج مرتين.أما أنا فلا أتميز عن أحد من البنات بشيء،وكل ما كانت تفعله جدتي كان سابقاً لعصرها.

جدتي، وجدت نفسها، حرة وحيدة، ُمدَّللَة، تملك أنفة وعزة، وكانت تقضي يومها، في ركوب الخيل والمطاردة، والسباق مع الفتيان، من سنها والشبان الأكبر سناً، وربما حدث واشتبكت معهم؛ في معارك حول السبق، وفي السابعة عشرة، أصبحت فتاة مشاكسة، لا تمت للأنوثة بصلة،  ولم تكن حسناء، إنما تجيد فن الحديث، وذكاؤها الحاد جعلها تعرف كيف تخاطب الرجال وتتحداهم،  وهذا ما تعلمته من مخالطة مجلس والدها، حينما يجتمع رجال القبيلة، عنده، حيث ولطالما اقتحمت جلستهم تلك، وهذه عادة لا تجرؤ النساء على فعلها.

       لكن جدي، أتى يوم عليه، وضاق ذرعا بتصرفاتها، التي اعتبرت طائشة. وتأثر من أن ابنته التي تملك أكبر ثروة في البلدة، لم يتقدم أحد بعدُ لِخطبتها!! 

إلى أن جاء يوم،  ووجد أحدهم الشجاعة في نفسه، وقالوا، أنه هام حباً بها، فتقدم يطلب يدها، غير أنها رفضته، لأنها تعلم مقدار ضعفه أمام رغبات شقيقه الأكبر،  والذي هو لسوء حظي جدُ طارق.

المشكلة في أنها أخبرته برفضها، ولكنه أصر، حاولت أن تُسمع صوت احتجاجها ولكن دون جدوى، وفي النهاية أذعنت لرغبة والدها الذي لا يرفض له طلب.( فهل سيحدث لي مثلها، هل ستقبل لي نفس مصيرها؟  )

لقد بقيت تحمل في أعماقها أول هزيمة عرفتها، تزوجته وقررت أن تفعل أي شيء يغضبه، علّه يملُ فيطلقها، وأخذ هو يزداد تمسكاً بها. بالرغم من مصارحتها له بمشاعرها وأنها ستراه شهما لو حررها، وفي بعض اللحظات كاد يضعف؛ أمام توسلاتها ورغبة في إرضائها،  لكن شقيقه الأكبر، وقف لهما بالمرصاد ومنعه، بل حرضه على معاملتها بعنف وقسوة .. لم يقدركم كان شقيقه مُغرماً بها .( وأنه سيأتي يوم وأحب حفيده أيضاً !)

 

***********************

 

كانت في بعض الأيام، و قبيل قدومه تغمر نفسها بالدقيق، لتبدو في نظره قبيحة وثيابها متسخة أو ترمي الطعام، وقبل أن يتناول غداءه، إلى القطط والكلاب الضالة .   

كان لا يحب خروجها في غيبته، لكنها أصرت في يوم على مرافقة الخادمة، إلى عين ماء تذهب النسوة إليها للغسيل وتعبئة الجرار.

هناك عند ((المالحة)) المتكئة على أذيال مصب عين الرومية،حيث تجتمعُ المياه في الواحة  منفتحةً على السفح، مثل عينٍ حسناء ترمق؛ أهدابها الطويلة من شجر النخيل، الذي أحاطها واستدقَ على دائرتها، سامقاً وسامحاً لأشعة الشمس بالمرور، لتعكس ضوءها على المياه البلورية. 

ولم تكتف بهذه النزهة، بل أخذت تصعد نحو الأعالي، وعكس اتجاه المياه، تبغي الوصول إلى شلال ((عين الرومية)) مساقطُ الضوء والماءِ، حيثُ الصخور المتراصفة مدرجات تصلُ إلى قمةِ الشلالِ، والشلالُ يعصفُ بقوة، منحدراً من فوقها. هناك،انتظرتها الغواية، انتظرها العشق الحبُ الذي اندسَ بين أحراش السرول والنخيل والزيتون،المتآلفة أغصانها، والمتحالفة مع ضجيج الشلال المتدفقة مياهه إلى ما لانهاية ……

        هناك، التقت الشاب الذي أحبته، ولم تحب قبله أو بعده، وفي أول الأمر،استباحت لنفسها ساعات تسرقها من أعين الحراس، وفيما بعد، لم يَعْنهَا أن زوجها عَلمَ وأخذ يستغيثها لتنقذ كرامته.

شعورها، بأنها المتضررة الوحيدة، حيث هي لا تملك قلبها، بينما زوجها يمتلك ورقة طلاقها، جعلها مقتنعة أن حبها يجب أن يستمر، وعلى الزوج أن ينسحب لصالح الحبيب.!!!

       عندما أحبت ((يحيى)) وَعتْ متطلبات الذات، وقتها سقطت في شرك الأنانية الخالصة للحب. على الطرف الآخر، الزوج، بقي مدركاً متطلبات ذاته المجروحة الكرامة،  المكتفية بأن ما أصابها، يهدد كيان الممتلكات ليس إلاَّ وهو يعي فقط، حب هذه المرأة الحرون، الرافضة، الممعنة في الهروب،  ووجد أنه ما من حل، سوى الإمعان، في معاندة ما تصنع لنفسها من أقدار.

وأثمله شقيقه بروايات عنها، صبها مع كأس الشراب ونزع لجام جموحه، وضربه بسوط حامِ؛ من الانتقام لشرفه، سن سكين الغدر، ووضعها في يده الضعيفة،  ودفع بيده باب مخدعها الموارب، تسللت سكينه في غفلة من النوم، وهو ينوي اغتيال الحب؛ الساكن داخله والمطعون من قبلها، لكن ارتعاشة الخوف التي باغتته، حالما رأى خيط الدم ينفر من نحرها؛ وصرختها الفزعة من الموت غدراً، أجبرته على التراجع، وجعلتها تنتفض بقوة؛ وتطبق على يده، في ذاك الزمن الذي تأرجح بين حدّ الموت والحياة، والدماء تنزف غزيرة، منحدرة إلى أسفل العنق،  حملت جدتي قلبها ومتاعها، وذهبت للعيش في بيت والدها، الذي رحل، وفي قلبه غصة على ما أصابها من مس،  

        جدتي، حملت قلبها ومتاعها، وذهبت للعيش في بيت والدها، الذي رحل، وفي قلبه غصة على ما أصابها من مس، واستمرت تلتقي الحب في ((عين الرومية)) حيث صوت المياه متواطئ على السكون، باعثٌ على الطمأنينة لأي عاشقين؛ ابتعدا عن فضيحة عراء الصمت الكاشف للهمس، (عين الرومية)  وَفَّرَت الشروط لنمو الحب، ومازالت، كريمة مع المحبين،  كما الأشجار النابتة حولها، تشرب ماءها العذب، فتضرب جذورها عميقاً في الأرض.

 

*********************

 

        هكذا سرقت((للاعيشة)) عقوقها، وضعته في كفة الميزان مقابل عشقها .. في العشق اغتنت، رضيت نفسها، امتلأت بأحلامها فثقلت،  في الكفة الأخرى، وضعت ارض الزوج القاحلة، الباردة حيث الحياة معه رتيبة لا معنى لها، تدفعها إلى مزيد من العقوق فغادرت زمنه غير نادمة.

    واندفع شقيق زوجها، يحرض على التشهير بها، لكنها قالت أمام الجميع أنها هجرته، وليس عليه سوى الرضوخ لطلبها الطلاق- الهدف المستحيل، فأخذ يطاردها بالشائعات، فلم تذعن ولم تَّلِنْ، وأخذت تراه مثل بحرٍ هائج، يندفع موجه الغاضب بأقصى قوته، منفلتاً على صخورها المنتصبة، بصلابة وقوة، كانت صخرة عنيدة لا تتفتت ولا تذوب ..فقط زبده، يصبح رغوة بيضاء، حالما يلتق هدوءها الموجع.   

وكلما عاد موج غضبه وعلَىَ ، تحدته ولسان حالها يقول: أن اضرب موجك …ارتفع ..انخفض..لابد من التراجع؛ أمام صلابة صخري، وقصصك التي تنسجها ستبقى مثل مياهك المالحة..لا تنى مرتدةً، إلى أحشاأك العميقة ذائبة مع رغوتك الزابدة.

بل كان كل من وقف ضدها، ما هو ألا زبدٌ ذائب،  فقط شيئان وقفا لها بالمرصاد، ورقة الطلاق والقدر السماوي! 

بعد عشر سنوات، من المراوحة بين زمني الانتظار، الطلاق، والزواج ممن أحبت،  أتاها القدر، ليرسم بثور الجدري على وجه الحبيب، ومن ثم تمحى بتراب الأرض، التراب الذي داست أقدامهما مشاويرها في المساءات البعيدة..

بين عقدين من العمر، نالت ما حلمت به، وما لم تحلم، مات الحبيب، وانتفض شقيق زوجها يطالب أخاه الأصغر بالثأر لكرامته..، أمره بطلاقها قبل أن يوارى حبيبها التراب! فنالته بعد أن فقد معناه ! أخذ زوجها بثأر كرامته، وحبه،  ورحل بعيداً عن البلدة

                

*************************

       في ذلك الزمن الواقع، بين الهداية والضلال، بقيت ((للاعيشة)) شجاعة، تواجه قدرها، طوت أسئلتها القلقة حول ماهية الحب، ولبست قميص القبيلة، مبشرة برجوع تائب، وهكذا تم زواجها من جدي، ابن عمها.

كانت مصافحة بينهم، وبداية اغتراب عنهم. والحلم وحده أبقاها في عمر العشرين، حيث تمتطي صهوته كل ليلة منطلقة مع رياح الشمال، برفقة الذات المنذورة لعشق ينتزع حجباً وأستاراً صنعتها القبيلة تنطلق غير قلقة بشأن المستقبل ، لم يعد الحب لحظة اشتعال ضوء، سرعان ما يخبو نوره بل اصبح سراجاً تضيئه في المساء برفقة الأجيال العاشقة المتلاقية في حديقتها.. لقد هدأت عواطفها العاصفة، وصخبت أحلامها، بهبوب الرياح في الأجيال المتلاحقة، من حولها ، وقتها، أطلقوا على داراها اسم الحب.

 

        كاد الليل، َيُهمُّ بفرد عباءته على البلدة، حينما وصلتُ دَاَرهَا، وكانت الأضواء الخافتة منبعثة من زوايا حديقتها، وهي ما تزال جالسة، خلف نافذتها،  ترمق العشاق الصغار بعين راضية، وقد احتلوا أماكنهم، تحت الأشجار الحانية الملتفة الأغصان. 

        فاجأتها بقصة حبي، لم تتكلم، فقط أخذتني إلى صدرها وعانقتني وهي تغمرني بالدمع والقبل ثم باركت حبي وقالت لي:

-         الحبُ هو التمرد على ما يريده الآخرون لنا، وأنت افعلي ما تَمَنَّيتِه ، وليس ما أحبه أنا..!

حينما انفلت من بين ذراعيها، انزاح ثوبها، كاشفاً عند أعلى الصدر، على ندبة عميقة تطوق عنقها راسمة نصف هلال غير مكتمل، اقشعر جسدي رعباً وأنا أتخيل لحظة تلاقي نظرة الضحية لقاتلها، لكنها سرعان ما أسدلت ثوبها، مخفية وراءه زمناً مضى؛ لا تريده أن يعود، حتى  بعد أن جاء حبي ليفتح دفتره من جديد.    

                  

***************************

        صباح اليوم التالي، وفي طريق العودة، كنت بين الحين والآخر، أقبض على وجهي في مرآة السيارة، متلبساً طيف ابتسامة، وأنا أتذكر ما قالته عن العشق حينما سألتها:

-         ألم يكن يعنيكِ ما يقولونه عنك يا جدتي؟

صمتت  لوهلة ، فحسبتها متضايقة، لكنها فاجأتني بقولها:

-   اسمعِي يا ابنتي، كل واحد في الحياة له فلسفته، أما أنا، فقد أعجبني وصف  أحدهم بأن العشق يشبه المؤامرة، لو كتب لها النجاح سميت ثورة، ولو منيت بالفشل أصبحت خيانة  أن افتضاح سر العاشق، هو المشكلة وليس العشق بحد نفسه، الحب رائع وكل رجل يحلم أن يكون عاشقاً وكل امرأة تحلم لأي أن تكون معشوقة!!

وصلت مشارف العاصمة، وطغى ضجيجها على أفكاري، بعد أن رافقتني سكينة الربيع في البلدة .

  فقط سؤال واحد أخذ يستحوذ عليّ، وبات يقلقني، وكلما نظرت في المرآة سألت نفسي: هل الحب يُعلم أم  يُورَث؟؟ 

                                                ‏18‏/‏04‏/‏01!

                                          

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصصي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “قصة قصيرة- للا عيشة”

  1. عالم جميل حكم بين السطور حب تمرد علي الزمن وعش في كل العصور…دمتي بخير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر