قصة قصيرة- أحلام زهرة

كتبهارزان نعيم المغربي ، في 18 سبتمبر 2008 الساعة: 02:35 ص

قصة قصيرة

احلام زهرة

من مجموعة قصصية بعنوان رجل بين بين

 pictur

 

أحلام زهرة

رزان نعيم المغربي

تفجرت الأحداث متلاحقة، ضربها ، شتمها ، دفعها فتدحرجت، من أول سلم الدور الثاني إلى أن وصلت أرض الصالة. لحق بها، نهضت، تحدته وهي تخبئ دموع الألم وتقف منحنية متألمة،  صفعها وقال لها: - طالق، طالق . أخرجي من بيتي … الآن ..

 لم  يخف أن تموت، فهو يعتقد، كما معظم الرجال أن النساء مثل القطط بسبعة أرواح .

 كانت مرتدية ثياب الخروج، عدلت من غطاء رأسها ، وأسرعت إلى الباب ، سمعته يصرخ خذي بناتك ..طفلتك الرضيعة .

صمت أذانها وخرجت، في سيارة الأجرة، أحست بالبراكين تكاد تنفجر من عينها، قاومت تلك الرغبة،  حثت نفسها ماهو الجديد الذي عليها أن تقوله لأمها أبيها أخوتها، الضرب الشتائم ، طلبه أن ترضخ لرغبات والدته (حماتها) التي لاتريد لها أن تستقل بمنزلهما الذي بناه فوق بيت والدته، أصرارهم على أن تكون الخادمة للجميع، أن تبقى طوال اليوم مشغولة بتقديم واجبات الطاعة حتى لشقيقتيه، لكن الجديد هو بالرغم من مسامحته في كل مرة والعودة إليه، اعترافه بنية الزواج من أخرى على أن تأخذ الطفلتان وتعود إلى بيت أهلها، هاهي وصلت عائدة إلى البيت الذي خرجت منه بالزغاريد وكثير من الأحلام، باعتها بثمن الخاتم الأصفر في أصبع يدها اليسرى ..

حينما دخلت، كنتُ أجلس في الصالة، أمي تروي أزهار الحديقة ، حين سمعت ضجيجهما، فهمت أن الانهيار الذي توقعت، حدث أخيراً،

        رايتهما تدخلان، أمي تمسك بيد أختي، تبكيان وأصواتهما تتداخلان أخذت زهرة تنزع ثيابها، هذه المرة كانت الأعنف ، خدوش وجروح وبعضاً من الدماء النازفة في إنحاء من جسدها النحيل،أسرعتُ إليها ، طلبت منها أن نذهب إلى العيادة الحكومية، لم تمانع حتى أمي التي اعترضت في المرات السابقة، لم يعد لديها حجة الآن ، ما كانت تخشاه هو الطلاق، وقد اصبح أمراً واقعاً ..

في الطريق إلى العيادة، أقود السيارة بصمت،  اسمع صوت بكائها الخافت، لم يعدَ صوتي قادراً على الخروج  ذهني مشوش، لاأعرف كيف ألاطفها، الحيرة جعلتني أفكر من سيهدىء غضب من؟ .. سألتني بصوت منكسر :

ـ هل النساء تشبه القطط!.. ثم عادت للبكاء .

ـ لا أعرف ، ربما .. ((في الطفولة خذلني ابن الجيران حين أراد أن يثبت ذلك، شنق صغار قطتي البيضاء، توقع أن تعود إليها الروح، قالوا له القطط لها أرواح سبع، اجرى تجربته على القطط الوليدة، وترك القطة الأم تموء اياماً، وأنا أبكي كلما مرت في خاطري، حزناً.))   

وصلنا إلى العيادة، لم يطل انتظارنا، ربما لم يعدَ أحدَ يؤمن بجدوى زيارتها،أو أن الأطباء يتخلصون من المرضى كما يتخلص أي موظف في دائرة حكوميه، من المراجعين يقذفونهم إلى إدارات أخرى ..

كان الطبيب الشاب، يجلس وراء طاولته،مرتدياً مريوله الأبيض النظيف، ويحمل القلم وكأنه مستعد لكتابة وصفة سريعة (نزلة معوية، نزلة برد…أي نزلة إلا نزلة درج)  عينا زهرة المتورمة  والكدمات الزرقاء تحتها جعلته يهب واقفاً مصغياً بانتباه شديد، تحدثنا معاً بانفعال مشوب بالخجل والغضب…

تفحص الكدمات، طلب من الممرضة مداوة الجروح، طلبنا التقرير… نظر إلينا بازدراء وكأننا نطلب منه مخالفة القانون، جلس إلى الطاولة، وقال بنبرة غاضبة:

ـ طبعاً تريدون التقرير حول العنف الذي أصابها ثم تذهبون به إلى المحكمة وتحصل على الطلاق والبيت وكل شيء لا، لا، لا،طبعا لايمكن .

كتب كدمة سطحية، سحبت التقرير الطبي المزيف، خرجنا،  نشعر بالهزيمة والغبن، بعد أن خذلنا رجل آخر، استخدم  كل ما يملك من عنف سلطته بصفته الطبيب المقرر للحالة.

قررت اللجوء إلى عيادة ثانية، اتصال والدي غير مجرى الأمور أمرنا بالعودة وعدم الذهاب إلى مركز الشرطة أيضاً.

تذكرت أول مرة عادت فيها إلى البيت بعد زواجها،كانت الهالات الزرقاء تغطي أنحاء مختلفة من  جسدها !. طلب منها والدي أن لاتعود، لكنها، عادت إليه، سامحته كانت تريد أن ترى وليدها الأول في بيت مستقر، ولم تدرك أن هذا البيت لادعائم له.   

عدنا، إلى البيت، استقبلتني والدتي بالدموع، كانت مرتبكة، حين دخلت الصالة قدرت حرجها، كانت جدتي وخالتي تجلسان وكأنهما في مأتم، صعدنا إلى غرفتي، وأصواتهم تصلنا، جدتي مصرة أن عدم اشتراط مهر عال، جعله يستسهل طلاقها، وخالتي تقول : - لم يكن في المستوى العائلي المطلوب رجل لم يكمل تعليمه ويعيش في بيت مشترك مع بيت عائلته لابد أن يجلب المشاكل له ولها، أمي تصر أنه يسمع كلام أمه وينفذ أوامرها!   

 وزهرة تبكي وتنتظر المواساة، وأنا غير قادرة على لملمة شتات أفكاري وحزني، وغضبي، فجأة سمعت والدي يصرخ بصوت عال ، نظرت من نافذتي، كان والدي يقف على الشرفة وينظر إلى باحة الدار الخارجية كانت البوابة السوداء الواسعة مفتوحة، وزوج زهرة يحمل طفلتها الرضيعة في يدويجر في اليد الأخرى الطفلة البكر، نظرت في عيني (حنين) وهي تحاول أن تفلت يدها لتجري إلى الداخل، أحسست بأنها تشبه نظرات القطط الصغيرة ، استمر والدي في الصراخ غير ملتفت إلى حفيداته، طرده وطلب منه أن يعود بصغاره ويقفل البوابة الواسعة خلفه.

أحسست بأن  البوابة صارت صغيرة، وأن بيتنا الكبير أصغر من أن يحتمل الطفلتين، وأن غرفتي تضيق علينا، الغرفة التي تقاسمتها مع زهرة، قبل زواجها المستعجل، زواج في عشرة أيام تمت مراسمه،  صار الكلام والصمت يتنازعان من يحتل حنجرتي أولاً، جمعتُ كل شجاعتي وطلبت منها أن نخرج لتناول القهوة ،

في المقهى التقينا صديقتي وزميلتي في العمل، ثرثرنا كثيراً صارت مشاعري المختلطة تحت سطح الكلام تمحوها ضحكة مغتصبة، وضحكة أختي المجاملة، لافائدة من الهروب.

حلَ الليل، هربت إلى غرفتي تحت الأغطية الثقيلة، بكيت لم أكن راغبة إلا  في الوحدة التي أخشاها دائماً، وأختي التي خافت إن ينتهي بي العمر وحيدة دون زوج وأطفال، والآن  تأتي وحيدة دونهم جميعاً .

شعرت بها تتسلل خلسة إلى الغرفة، تفتح الباب بهدوء، ثم تبحث في دولاب ملابسي عن شيء ماء، ربما ستأخذ ملابس نوم، لم أعد اسمع صوتها، توقعت أنها افترشت الأرض، (( جمدت حركتي تحت الغطاء، لاأريد أن افتح حواراً معها،أريد الاستسلام لأفكاري أنا، سأجد حلاً لمشكلتها، لطالما عاندتني، هذه المرة لابد أن تستمع لنصيحتي، حينما كنا ننام في نفس الغرفة، كنت لاأدعها تنام حتى تسمع تفاصيل يومي كلها واستجوبها عن تفاصيل يومها في المعهد، قبل أن تأتي بزوج المستقبل الذي التقته بالمصادفة ينتظر خروجها منه، كانت سعيدة بنجاحها في التقاط عريس أكثر من نجاحها في دراستها .

صارت في كل زيارة لنا، تقدم لي النصيحة بالبحث عن زوج بأسرع وقت ممكناً أخذت الصور والأصوات تصبح أشباحاً في العتمة، سمعت مواءاً، لا أنه نشيج صوتها، الصور والبكاء والمواء جميعها تتداخل  في رأسي ربما أحلم،  رفعت الغطاء عن وجهي بهدوء ..تبينت من خلال ضوء مصباح الشارع المتسلسل من النافذة جسدها النحيل، متكئة على جنبها ويدها على صدرها، رفعت رأسي، نظرت إليها، بكت بصوت عال سألتها !

ـ مابك ؟

ـ أتألم، تعرفين !… أقصد ربما لاتدركين معنى أن أترك طفلتي التي ترضع مني ماذا يعني …

((قفزت صوره قطتي المكلومة بصغارها وهي تتألم وتئن من ألم احتقان الحليب في إثداءها، كانت أمي تواسيني وتقول بعد ثلاثة أيام سيجف الحليب، وتنسى، ثم تنجب من جديد …

اقتربت من زهرة احتضنتها:

ـ أعرف ! أمي قالت بعد ثلاث أيام ..لم أكمل غمرت رأسها في صدري وبكت

سألتها وأنا اشعر بإن السؤال سيفتح بوابة الألم:

-   لو قررت أن تعود طفلتك الرضيعة لأحضانك، لابد أن تحاولي التخلص من الحليب، وإذا تماسكت ورفضت كما فعل والدي اليوم، تحملي الألم حتى يجف الحليب في صدرك

أعلم قسوة الاختيار، كانت تبكي بصوت عال مفجوع وأصواتنا الخافتة سرعان ما ارتفعت أكثر، لكنها لم تمنعنا من سماع الجدال الدائر بين أمي وأبي، حتى فاجأتنا بدخولها، ضغطت على زر الكهرباء، أضأت الغرفة، كانت تحمل بيدها ألة غريبة ..تشبه البوق الزجاجي ينتهي بقطعة بلاستيكية، تناولتها أختي مستسلمة .

 

                                                                  25/12/2007

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصصي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “قصة قصيرة- أحلام زهرة”

  1. السلام عليكم

    صباح الخير عزيزتى رزان

    تبى الحق والله انى راهو خشيت هكى بالصدفة اندور على اى شئ ينقراء حتى اشبع نهمى اليومى فى القراءة بجانب حبى لتصميم

    وانا نقراء اول موضوع وكملته اكتشفت انى نقراء لكتابة مش عادية سعدت

    حسيت انى اليوم اكتشفت شئ جديد ما كنتش نعرفه قبل هوا انتى ومدونتك

    جعل صباح يومى سعيد جدا

    رمضان مبارك عليك وعلى كل عائلتك واحبيتك

    وكل عام وانتى بخير

    وكان عشنا ان شاء الله لى عودة

  2. السلام عليكم

    ما شاء الله

    بجد راااااااائعة

    في امان الله

  3. حبة رمل

    شكراااااااااااااااااااا

    لهذا المرور

  4. صباحك سعيد ويومك اجمل مدونتك تعج بالكتابات الرائعة ولك مستقبل كبير في الحياة الأدبية الليبية اتمنى لك التوفيق والنجاح الدائم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر