المبدعون والرفاهية
كتبهارزان نعيم المغربي ، في 24 نوفمبر 2008 الساعة: 07:45 ص
المبدعون والرفاهية
والتفرغ

المبدعون والرفاهية
والتفرغ
صباح الورد/ قورينا
كثيرا ما قدمت الدراما العربية، نموذج الكاتب والمبدع ، على صورة شخص مهموم يركض وراء لقمة العيش، ويظهر على هيئة لا تليق بمن عرفنا، من أدباء وكتاب وحتى فنانين على مر تاريخنا.
تم تكريس هذه الصورة بجهل واضح، ولم تحاول الدراما التي يقف وراءها متكسبون للغوص بعيدا في الأبعاد النفسية والروحية للمبدع، وليس الواقع ببعيد عما تظهر عليه صورته التي لا تسر أحد منا، وفي حقيقة الأمر أن المبدع لا يتعفف عن الرفاهية، ولا يرفضها، وإذا كنا صادقين فهو أحوج الناس إليها.
المبدع يشبه الناس في سعيه نحو الرفاهية والرخاء، لكن في رحلة بحثه تلك لا يشبه هدفه الآخرين، الذين ينفقون بلا حساب أو يستثمرون أموالهم ليزدادوا ثراء. ما يميزه عنهم احتياجاته للأنفاق، على ما يضمن لروحه الاستمرار، في البحث والسفر واكتساب المعرفة والتجربة، فهل تضمن الكتابة في عالمنا العربي تلك المطالب الصغيرة والمتواضعة، دون أن يهدر الكاتب ماء وجهه، من أجل طباعة كتاب، أو إعانة مادية من أجل علاج من مرض، وما أكثر الأمراض التي تفتك بهم.
وما أقسى أحكام الناس على الكتاب، بعضهم يراه مثالا للزهد والتعفف من كل متع الحياة، وهو الجدير بها، وبعضهم يرى من واجبه أن يعيش المأساة ويعانيها ليكتب عنها وإلا لن يكون صادقا، وبعضهم يسأل: لماذا يطالب المبدع بالتقدير من بلده، ماذا يقدم لهم؟ ونسوا أن المبدع من يمثل بلده بما يقدمه من إبداع مميز.
لهذا نجد، إن تمادي الكاتب في التسامي يكفل لروحه علاج من الأذى، حيث الكتابة تمنحه توازناً وتتحول المأساة بين يديه، إلى نص من ضوء، وفي معركته بين المال واللغة يتعلم المران على الاستمرار، ومع الوقت يمكن أن يؤدي نقص دخله إلى الحد من مخيلته، ولا يحفزها على مزيد من الإبداع، تلك المخيلة المقسومة إلى شطرين، شطر منغمس في القاع يبحث في آليات التعامل مع الدخل المحدود حتى لا ينحدر إلى الحافة، بما تمثله من خواء، وشطر يتعالى بعبثية وجنون كبير، ليزداد ارتقاء، فينتج نصا بمستوى وجده وحزنه وتفاعله مع المحيط.
المبدع في صورته النمطية، ليس مثالا جيدا ليقدم مزيدا من الإنتاج المتميز، ولا يمكن مطالبته بمزيد من الجهد ليصبح عالميا، وفي ظل إمكاناته المادية المحدودة لا يمكن له اكتشاف العالم من حوله وهو غارق بهمومه وتفاصيل حياته المرهقة، هل يمكن لشخص ما أن ينظر إلى أسفل قدميه ويرفع بنظره متأملا السماء بذات الوقت؟ بين الحالتين تقف كلمة واحدة حائلا وعائقاً، المبدع لا يمكن ان يشتغل في التجارة ويكسب عيشه منها لأن الخسارة ستكون مضاعفة فإذا نجح فيها خسر روحه وإذا فشل خسر ماله وروحه وإبداعه، حتى الوظائف التي يمكنه العمل بها لا تتجاوز الصحافة أو الإدارات الثقافية، وسنرى إنه لا يمكنه المواظبة على عمله الإداري بالتوقيع في سجل حضور وانصراف، ولو ان المجال يتسع لذكرنا كثير من القصص الطريفة عن المبدعين ومزاجيتهم العالية وحساسيتهم المفرطة في التعاطي مع الآخرين من خلال أعمالهم الإدارية.
لابد لكل مبدع كتب في الصحافة وعمل فيها، أن يواجه سؤال حول هذه الثنائية: أيهما أقرب إليك الكتابة الإبداعية أم الصحافة ؟ أو هل سرقتك مهنة الصحافة من العمل الإبداعي؟ ومهما تنوعت الإجابات واختلفت يبقى سؤال أهم لماذا يكتب أغلب المبدعون ويعملون في الصحافة. وأعتقد أن الحقيقة تكمن وراء كلمة الاكتفاء المادي.
هناك بعض الدول تقدم التفرغ للكتاب على سبيل منحة مادية، تسمح له بالانصراف إلى الإبداع لمدة معينة حتى يتخلص من التفكير بالدخل المحدود، وبعض المؤسسات الاقتصادية التي تدعم الثقافة، يمكنها تأمين شروط مريحة لعزلة الكاتب في مكان طبيعي ساحر، دون أن يتكفل بمصاريف الإقامة والسفر، وعلى الكتاب أيضا مسؤولية تغير الصورة، التي كتبوها للدراما وصوروا أنفسهم بائسين محبطين بعد أن ينالوا تلك المزايا إذا تحققت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صباح الورد - من قورينا | السمات:صباح الورد - من قورينا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 27th, 2008 at 27 نوفمبر 2008 9:47 ص
شكراً للكاتبة علي هذه المعلومات الهامة من عالم القلم.