من طنجة إلى أصيلة

كتبهارزان نعيم المغربي ، في 23 أغسطس 2009 الساعة: 09:49 ص

طنجة / بعدستي

 

من طنجة إلى أصيلة
 
رزان
مدن كثيرة تترامى أطرافها على شواطئ المتوسط، وتتقاسم الشبه بذاك الأفق الأزرق الممتد بشكل لانهائي المتصل بأزرق السماء.
                       وحدها طنجة، في أقصى الشمال المغربي تنهض فوق قمم صغيرة غير متساوية أو متوازية، قمم متبعثرة في أنحاءها، وكأن مساً اصابها في مكام ما ، فارتفعت أرضها صاعدة لأعلى بجنون تطل على المتوسط حيناً وعلى المحيط من اتجاه آخر…
    وحده شاطئ طنجة يتراءى الآن بالعين المجردة أفقاً لايشبه غيره، وكلما ارتد بصري إلي يحمل صورة جبال طريفة الاسبانية، تبدو مغلفة بضباب خفيف عند الفجر، وإذا ما صفعتها الشمس الحارة مسحت ذاك الغبش وصارت أكثر تجلياً وحضوراً.
             وفي المساء، تتلألأ أنوار طريفة تنير عتمة الأفق فتبدو أكثر غواية للحالمين بالهجرة_ الحراقة_ أولئك العابرين مسافة الحلم بين الشاطئ وخط الأفق ، يعيدون تجربة طارق بن زياد الذي سبقهم قبل قرون حارقاً سفنه ، ليبني مجداً عربياً وتاريخاً مازلنا نحمل ألم انهياره ونتذكر كلمة أم عبد الله الصغير تخاطب أخر الملوك ابنها قائلة :ابك ملكا كالصغار لم تحافظ عليه كما الكبار
وسيبقى هذا الحلم بالعبور يراود من يتأمل تلك الشواطئ القريبة، لاستعادة حلم ضائع، هي طنجة مدينة الغواية والرحيل والهجرة الواقعة على تخوم الاندلس الضائعة، طنجة مدينة الحب والعشاق يشدون إليها الرحال فتمنحهم الحرية والاختباء عن المتلصصين في عتمة مغارة هرقل المطلة على المحيط .
              
         طنجة مدينة يؤمها الكتاب والفنانين من شتى أنحاء العالم، وأجمل ما فيها أن أهالي المدينة يتعاملون ببساطة متناهية مع أولئك المشاهير، حتى سائق سيارة الأجرة الذي حملنا في جولة على القصبة وتعني طنجة القديمة يحفظ أسماء معظم الكتاب وأماكن أقامتهم ولكني استعنت بالصديق الزبير بن بوشتى الذي وضع كتاباً بعنوان – مقهى الحافة- ذكر فيه معظم من طاب له الأقامة في طنجة ومنهم – جان جينيه ، بول بوولز، وغارسيا، تينيسي ويليلمز، لطفي الخولي، البيرتو مورافيا، صامويل بيكت، وليام بوروز، وغيرهم بالإضافة إلى انها كانت مدينة الروائي محمد شكري الذي ربطته علاقة وطيدة مع كتاب مغاربة وعرب زاروا المدينة وأقاموا بها بعض الوقت ومنهم الروائي محمد زفزاف.
 
   مقهى الحافة، أحد معالم المدينة القديمة المرتفعة والمطلة على البحر، تستحق نصاً وشهادة تروي ماحصل لي في صباح أحد الأيام ، هذا المقهى الذي اشتهر بتردد الأدباء عليه ، كانت زيارتي له برفقة الكاتب الشاب المغربي محمد المسعودي أحد سكان هذه الأحياء القديمة ، كنا ثلاثة الروائي واسيني الأعرج والروائي جمال الغيطاني ومحدثتكم ، ولأن السحر الذي مسنا واوصلنا إلى الدهشة يستحق أن أفرد له مقالة تصف كيف عبرنا من قصر مرشان حيث قبر محمد شكري إلى مقهى الحافة وساحة المشوار وباب البحر ثم دخانا زنقة تؤدي إلى ضريح ابن بطوطة وعدنا لنخرج من زنقة ابن خلدون ، هناك وقفت محتار بذاك الجدار الحاد الذي يفصل زنقتين كتب على لوحتين متجاورتين اسم ابن بطوطة مجاورا لأبن خلدون ، وكأن الزمن بينهما هو مسافة العبور إلى الضريح ثم الالتفاف عليه وليس أكثر من قرنين من الزمن .
   طنجة كانت محطة لأصل إلى موسم أصيلة الثقافي، الذي مضى عليه إحدى وثلاثين عاماً ومازال متألقاً فريداً كما اسسه واشرف عليه الوزير محمد بن عيسى وحتى هذا اليوم بقي راعياً لمشروع ثقافي تفرد في تنوعه واستقطاب أكثر الأدباء والفنانين حظوة هنا في مدينة صغيرة اسمها أصيلة.
     طنجة وأصيلة مدينتان تواصلان التوهج في ذاكرتي التي أتعبها الجمال وملأتها بالحيرة كيف يمكن البدء وأين يمكن التوقف .
    في قصاصات جديدة سيكون لكل محطة مقال جديد
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صحافة عربية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “من طنجة إلى أصيلة”

  1. العزيزة رزان
    سعدت بالتجوال معك في طنجة
    فأنا يأخذني المكان بسحره
    لك احترامي ومودتي
    زياد

  2. امرأة من زواياالظلال قال:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عزيزتى :للسفرمتعةوفائدة وللقراءة نفس اخر لا يقل متعة بل لعله هو لب المتعة غير انى وفى رحاب طنجة وجدتنى أتحسس محتويات المكان بل وأشمرائحة القهوة أتعلمين لما فقط لانك تكتبين بلغة الحب فيسود الدفء ثنايا الحرف فيترقص الصور بشوق الفرح لااعلم أيهما أروع طنجة أم أحساسك حيال الأمور عزيزتى :شكرا عالمك المعطر
    امرأة من زوايا اظلالل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر