مقهى الحافة
كتبهارزان نعيم المغربي ، في 1 سبتمبر 2009 الساعة: 11:27 ص


مقهى الحافة/ عدسة رزان نعيم المغربي
في كل المرات التي جلست فيها إلى أحد المقاهي البحرية أو تلك المتمردة على الأمكنة المغلقة، التي تمد لسانها نحو رصيف الشارع محتلة جزءاً منه، كانت رائحة الشاي بالنعناع الأخضر تسحبني نحوه وتفتح شهيتي لاستعادة ذاكرة ما، في ظل هدوء لايكسره سوى صوت النادل المحتفي بكل زائر، يضع قبل ان أطلب الفطور طبق دائري صغير وقد رصفت داخله حبات الزيتون الأخضر والأسود مزينة بأعشاب خضراء، تحمل نكهة سرية غامضة لايمكن وصفها.
تلك كانت مقاهي المدينة ذات المباني والشوارع الحديثة، أما مقاهي طنجة القديمة والتي تبدأ من ( القصبة) وتمتد بشكل دائري يحيط بأبواب المدينة وفجوات أسوارها وحوافها المطلة على البحر، فلا يمكن ان تصفها بنمط واحد، إذ أن عشوائية الأزقة الضيقة الملتفة والمرتفعة على سفح هضبتها رويدا رويدا، بعشوائية جمالية، اتخذت سبيلها من نمط البنيان والعمارة القديمة، في المدينة القديمة تتجاور الهندسة المعمارية الأسبانية والايطالية والفرنسية، عند أعلى تخوم الهضبة المطلة على البحر وكلما نزلت إلى السفح وذهبت نحو الداخل فاجأتك ساحات وحدائق واسعة، تنفذ من جديد إلى الحواري والأزقة الضيقة، وبين هذه وتلك تجد بعضا من البيوت الاندلسية وقد تحولت إلى مطاعم ومقاهي، يتردد عليها الزائرين من مختلف أنحاء العالم.
مقهى الحافة وقبرشكري وضريح ابن بطوطة:
لم يكن وصولي إلى مقهى الحافة مصادفة، هذا المعلم الذي بات أشهر مقهى في طنجة وقد نشأ عام 1914 ، والوصف المقارب له هو حدائق بابل المعلقة.
وبدعوة من الدكتور محمد المسعودي، الذي يسكن في أحد أحياء طنجة القديمة، الذي كان حريصاً على تلبية رغبة الروائيين واسيني الأعرج وجمال الغيطاني لزيارة قبر الكاتب الطنجاوي محمد شكري وضريح ابن بطوطة، ذهبنا في سيارة إجرة كبيرة وكانت البداية من منطقة قصر مرشان حيث تقع أجمل القصور التي بنيت على الطراز الأوربي، وتقابلها المقبرة، وقبل الدخول سألته هل يمكن لي أن ادخل وأنا سافرة ؟ ألا توجد طقوس ما؟ أجابني بثقة: لا أحد يعترضك، في الباب الواسع كان جمع من النساء والأطفال يقدمون باقات الريحان وزجاجات المياه الكبيرة للزائرين، أخذت باقتين من الريحان، وسكب المسعودي والأعرج الماء فوق ثرى شكري وأخذنا نغرس أعواد النبات الذكي الرائحة، فيما لفتني وقوف الغيطاني متأملاً صامتاً بحضور الغياب الكبير لصديق كان يزوره في بيته ويقضي معه وقتاً في ضيافته، خرجنا ومازال الصمت يلفه ثم سمعته يتمتم عبارات مؤثرة حول معنى الموت والغياب وكم هو مؤلم فقدان الأصدقاء.
كان الطريق إلى مقهى الحافة رحلة تبدأ من باب القصبة ذلك القوس الذي تمتد أسفله زقاق طويل مسقوف وفي نهايته يشع ضوء الشمس قوياً، لم نكد نتجاوزه ونخرج نحو النور حيث السور إلى يسارنا يخبئ خلفه مساحات مرتفعة تكشفها فجوات على شكل اقواس يطل البحر منها، عبرنا أكثر من واحدة وخرجنا إلى المرتفع الصخري مرة والترابي مرة ثانية ، من هناك تقابلنا على الضفة الأخرى من الشاطئ جبال اسبانيا تحت ضباب رمادي اللون وفي الأسفل الطرقات الواسعة المحاذية للكورنيش، عدنا إلى السياق داخل الأزقة وصلنا ساحة المشوار حيث يجلس بعضاً من الحواة يحملون في جراباتهم الأفاعي والسياح يلتقطون لهم الصور.
وكنت في زيارة سابقة قد دلفت من تلك الساحة إلى باب العصا، من خلال قوس واسع أدهشني المنظر إذ رأيت مصطبة صغيرة يجلس عليها ا(القناوة) وهم أهل طريقة يرتدون أزياء مزركشة ويعزفون على ألآلات موسيقية يقال أنها أصل موسيقا الجاز الامريكية، المكان صغير جداً ومن ذاك القوس يقابله قوس آخر ينفتح على حارات جديدة تنزل بدرجات إليها، وخلال حديثي مع القناوة اكتشفت ممراً ضيقاً وجدران طينية متأكلة، يؤدي إلى مدخل أوسع أذهلني داخله جمال البناء وأبواب البيوت وشجيرات الورد الحمراء المتسلقة عليها، وعلمت أن احد هذه الأبواب لبيت كاتب ألماني عاش هنا لفترة من الزمن، لم استغرب بعد أن عرفت أسماء كثير من الكتاب والأدباء والفنانين اختاروا هذه المدينة للإقامة فيها وأشهرهم بول بوللز وعلاقته المثيرة للجدل بالكاتب محمد شكري وغيره من الحكائين الذين قصوا عليه حكايتهم وسجلها بقلمه.
عندما وصلنا مقهى الحافة الذي ألهم كثير من الكتاب وصار مكانهم المفضل، نزلنا إليه من خلال ممر ضيق وبضع درجات وصلنا إلى الطبقة الثالثة منه كانت مزحمة ، عدنا نمر إلى درجات أخرى تأخذنا إلى الثانية ، وفي أقصى المكان كانت أشجارا نابتة فوق الصخور تظلله وجدنا طاولة، أصبحنا في الوسط بين الأولى التي تقع على حافة البحر والثالثة القريبة من المدخل، المقهى مدرجات مبنية بشكل عشوائي، والنباتات والأزهار أيضا تتناثر أحواضاً دون تنسيق أو ترتيب مما يمنحها اتساقا مع جمالية المكان، أكثر مايلفت الانتباه هو تلك الطاولات الخشبية العتيقة، المطلية بلون أخضر، وطريقة تقديم الشاي الأخضر في صينية أمازيغية، وهي على شكل حاملة ذات طوابق متعددة مفرغة يتسع كل فراغ منها لحمل كأس واحد من الشاي، دون أن يقع من يد النادل.
هناك في تلك السدة كنا نطل على الأفق الأزرق ينتهي عند شواطئ المدن الأندلسية ونتكلم عن الثقافة وشجونها، وكاد يسرقنا الجمال ومازال في برنامجنا زيارة ضريح ابن بطوطة الرحالة الشهير ابن هذه المدينة.
الطريق إليه رحلة تمر بمنعرجات صاعدة حينا وهابطة حينا آخر، وحين وصلنا إليه وقفنا في زنقة يقابلها جدار يفصل بين زنقتين كتب على يمين أحدهما ابن خلدون وعلى الطرف الأيسر ابن بطوطة، مررنا إليه كان يقع في أعلى الطريق مبنى صغير ترتفع فوقه قبة مزينة بالفسيفساء، سألنا من سيفتح لنا الباب، أشاروا إلى رجل وعائلته تشرف عليه، في الداخل يبدو المكان صغير جدا فرشت الارض ببساط ملون وعلى الجدار علقت مكتبة صغيرة احتوت بضع مؤلفات.
عندما خرجنا كنا جمعيا مندهشين من الإهمال لهذا الصرح الثقافي، تبعنا الصديق محمد المسعودي ، وإذا بنا نخرج من زنقة ابن خلدون بعد أن سرنا خطوات قصيرة من أمام مبنى الضريح ، هكذا تصبح أصغر وأقصر وأضيق الطرق في هذه المدينة باسم أهم من مر في تاريخنا المفكر ابن خلدون والرحالة ابن بطوطة،
وعلق الروائي واسيني الأعرج قائلاً: أن الكهف الذي أقام فيه الروائي صاحب دون كيشوت (ثرفانتس) في العاصمة الجزائرية بقي مهملا لسنوات طويلة، دون أن ينظر إليه أنه محج ثقافي هام، حتى قدم حوله حصة في التلفزيون ونبه إلى ضرورة ترميمه، وهذا ماحدث.
مازالت مدينة طنجة متألقة في ذاكرتي وكانت الطريق إلى موسم أصيلة الثقافي المستمر منذ إحدى وثلاثون سنة ، وفي قصاصات جديدة نلتقي
مقهى الحافة
طنجة
قصاصات حرة
رزان نعيم المغربي
طنجة مدينة تتفرد بجمال مقاهيها، وتفرد لها قلبها وذاكرتها، فحيثما مشيت، تعثرت بمقهى تعتقد أنه الأجمل، فلا تكاد تتجاوزه حتى تمر بمقهى أجمل منه،
طنجة مدينة تعشق المجانين بحبها، أولئك المتبتلين في صلوات متعهم حدَ الثمالة، الساهرين حدً انبثاق أول ضوء يشرق على سفوح هضابها، هم الغارقون في كسلهم الصباحي، لهذا أصبحت طنجة تضبط مواعيدها حسب أهوائهم ومواقيت جنونهم، مدينة متكاسلة لايمكن أن تستيقظ مقاهيها دفعة واحدة، وكأنها تفسح مجالاً لبعض العقلاء العابرين أو القاطنين الذين يفضلون النهار أن تمنحهم الود، وتستقبل حضورهم صباحاً، بتلك الكراسي المزدحمة على امتداد شارعي محمد الخامس ومحمد السادس، وهذا يحتم على الزائر للمدينة اختبار الأمرين معاً، السهر حتى الفجر ثم لن يكون بمقدرته العودة إلى النوم، دون الاستمتاع بفطور الصباح في أحد المقاهي المشرفة على البحر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صحافة عربية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 17th, 2009 at 17 سبتمبر 2009 12:08 م
طنجة مدينة ساحرة … كما هو المغرب العربي
لا انسى الايام التي قضيتها هناك
بشكرك يا استاذة استمتعت بالقراءة وشعرت بكثير من الحنين لذلك البلد الجميل
والى مزيد من الرقي .. داعيا لك اسمى المراتب
اخوك: احمد