الفستان الابيض يركب عربة الحزن- رحاب شنيب
كتبهارزان نعيم المغربي ، في 26 أبريل 2008 الساعة: 10:14 ص

الفستان الأبيض
يركب عربة الحزن
في قصص رحاب شنيب
دراسة بقلم: رزان نعيم المغربي
الفستان الأبيض مجموعة قصصية، صدرت عن مجلس الثقافة العام 2006 مسحي. وهو يشكل باكورة أعمال القاصة رحاب شنيب، وربما وليس من باب المصادفة، أنني أحببت تناول هذا العمل بالقراءة والاهتمام، إذ انه سبق وان قدمت قراءة لباكورة أعمال محمد الأصفر القصصية وأيضا قراءة في أول أعمال الكاتبة تركية عبد الحفيظ، وهذا لأن العمل الأول يتوجب الاحتفاء به، وإلقاء الضوء على المنجز الإبداعي الأول ليحظى بالاهتمام، فهو كالوليد البكر لدى المبدع، الذي ينتظر ترحيب زملائه به.
ولأن الموضوع هو مجموعة قصصية، لابد من الإشارة إلى أن هذا الجنس الأدبي لا يعرف السكون بل هو سريع التطور، لا يعرف الاستقرار ينزع إلى التجريب لحداثته، وهو جنس لا ضوابط صارمة تحده كالقصيدة الشعرية مثلا، أن الأشكال المتمردة للقصة القصيرة المعاصرة، سمحت بإيجاد شكل متفرد لكل قاص، وأسلوب يتغير حسب تجربته ونضجه إبداعيا، لهذا سنجد أن لكل مبدع حساسية خاصة يتفرد بها، في التقاط شخصياته ووضعها ضمن حدث يسيرها إلى مصيرها.
الفستان الأبيض مجموعة تتألف من اربعة عشر قصة قصيرة، بينها خمس قصص قصيرة جدا، أو القصة الومضة، والتي أتت متقاربة مع مايسمى النص المفتوح،
نلاحظ في هذه المجموعة طغيان حضور المرأة، حيث تصبح نموذج لثنائية الحاضر / الغائب كما أنها نموذج مرادف لثنائيات أخرى متعددة سنتطرق إليها فيما بعد، ونجد صورة المرأة حاضرة أما بصوتها،أو حاضرة في مخيلة شخصية الآخر ووجدانه، متوهجة في عقله أثناء بحثه عنها كحلم لم يكتمل( قصة الوشاح الأسود) القصة تتحدث عن منغصات الحياة وتقوم عملية السرد على صوت الراوي " كما في أغلب قصص المجموعة" فنجد أن البطل الذي لا يمتلك إلا سيارة قديمة يطارد حلمه بالحصول على حبيبته بعيدة المنال، وبين ارتفاع حرارة أشواقه وارتفاع حرارة السيارة، لا يجد إلا زجاجة عصير فارغة، فملئها بالماء ليسكب جزءا منه على رأسه والأخر على محرك السيارة، وبين أوهامه وصراعه مع متطلبات الحياة، ترتطم سيارته بالجدار ويقضي نحبه ، هذه النهاية المأساوية لشخصية مأزومة ليست الوحيدة إذ أن معظم القصص، يشوبها ذلك الصراع حول متطلبات الحياة، فالكاتبة تصطاد تلك الشخصيات المعذبة، وتربطها بعجلة الحدث شاءت أم أبت، تسيرها نحو مصائرها العادلة، مما يجعلنا نتصور أن تلك الشخصيات جالسة على كراسي داخل عربة الحزن، ضمن فضاء غريب عنها لا تتمكن من التفاعل مع محيطها، بل تنتقل من مكان بائس إلى أخر أكثر بؤسا، لتجسد واقع الإنسان العربي المهزوم أمام تلك الاحتياجات ، "" في قصة الفستان الأبيض عنوان المجموعة مثال على ذلك، حيث ترضخ الفتاة الحالمة بالزواج لطلب والدتها بالذهاب إلى من يفك الرصد عنها، كما أنها تقع تحت تأثير حكايات تسمعها من صديقتها حول الفتاة التي ماتت بفستانها الأبيض لأنها مرصودة(مسحورة) كل هذه المطيات دفعتها لمجاراتهم، وحين وجدت نفسها في مكان غريب تنبعث منه الأبخرة والشعوذة، المكان أعاد إليها وعيها، أيضا عبر المخيلة تتذكر صديقة تنهيها عما هي مقدمة عليه، لأنه حرام تنتهي القصة بوعظ ديني.
وتأتي الحلول عادة بالهروب من مواجهة الواقع، الذي يصبح فيه الإنسان صفرا على شماله إذا لم يتدبر أمره، بالاحتيال أو الوساطة والمحسوبية كما في قصة "" مقبض الباب"" فالانتظار في الدوائر الرسمية والعيادات الطبية هو ضريبة يدفعها، من لا يعرف أحد كانت البطلة مثل الجميع، ملت الانتظار إلى حين رأته (.. وبنظرة خاطفة تبادلت عيناي الحديث مع رجل اعرفه واعرفه جيدا كان بيده مقبض الباب، نظرت إليه بصمت….) وفي لحظات صراع بين عدالة الانتظار، وظلم الآخرين بأخذ الأسبقية تجد نفسها أمام باب مفتوح ( تقدم أمامي، فتح الباب، فقأت نظري طأطأت رأسي ودخلت)
وبما أننا بصدد البحث، مع الكاتبة عن الشخصيات، تلك التي تلتقطها من الشارع أو العيادات ومن المحيط المشغولة به، حيث تظهر أنها شخصيات مهملة غائبة، وغير مؤثرة في دفع عجلة الحياة، فإذا بها تعيد إليها ما استلبه المجتمع منها ، وتقوم بتسليط الضوء الكاشف، على خباياها الداخلية، لكنها حين تصنع الكاتبة شخصياتها تبقى، مشغولة بنفسها المبدعة الكاتبة المثقفة نشعر بصوتها كما ضمير يراقب سقطات الآخرين فيعاقب حينا ويسخر حينا أخر، نتلمس ذلك في القصة الأولى التي افتتحت بها المجموعة(دودة ماكرة) وهذه القصة تم اختيارها للمفتتح ليس اعتباطيا بقدر ما كان مؤشر ذكاء لتقدم القاصة نفسها للقارئ، حيث يتقاطع السيري الواقعي، بالرمزي المخيال، وتتحدث حول مفاهيم ومعنى الكتابة لتصبح المفردة المستقاة من المحكي الشعبي (الدودة التي تنخر) هي المعنى المرادف لهاجس القاصة أن تكون كاتبة (.. ظلت الدودة الماكرة ترمقني، فلملمت بقاياي وبدأت بالركوض، صدمتني الجدران…اختنقت …وتكدست شظايا الاحلام في رئتي..) إن حلم الكاتبة ليس سهل المنال، فهناك حواجز اجتماعية تصطدم بها وتصبح القصة شهادة حية للرغبة، والحلم مقابل الحواجز والواقع ثنائية جديدة أخرى كما تظهر ثنائية الاختباء والخوف/ مقابل ومعادل رمزي للظهور والشجاعة فكانت الخاتمة لصالح الاختباء( ماذا تفعلين؟ / لاشيء.. لم تدرك أمي أنني كنت احتضر) أن الصيغ المجازية وتلك الصور و الدلالات أرادت تعميقها من خلال أسلوب رمزي، يفصح عن خبايا نفسية مضمرة، تحيل فيه لاوعي الراوية على ما في الشخصية من عقد ومركبات تشترك ربما معها، كل امرأة تحاول أن تحصن تجاربها الأولى في اقتراف فعل الكتابة، من المحيط حولها، ليبقى حبيس الأدراج السرية، خوفا من التعنيف الذي يقف بالمرصاد لها .
ولا تنسى الكاتبة من تسليط الضوء على العنف ضد المرأة ، حيث صورة المرأة المستلبة والمعنفة المقهورة حاضرة، بكل صورها السلبية في الواقع وفي أغلب قصص المجموعة، وخير مثال قصة ( الجرح الضاحك) أن اختيار العنوان يدل على شعرية مفرطة حيث الثنائية المتضادة للجرح المسبب للألم وبين الفرح الذي يستدعي الضحك ارتبط كله بعنف جسدي يقع على كاهل فتاة شابة، ولا يعرف القارئ سببا مباشرا لهذا الضرب المبرح الذي تتلقاه الفتاة من والدها، حتى الشخصية نجدها مرتبكة تفتح بابا للأسئلة لا يغلق، مع نهاية القصة ( بدأت الـ لماذا تتكاثر في داخلي دون توقف، وبين لماذا ولماذا اختلاف في وجهات النظر وايديولوجيا فكر كامل…) اذا هو صراع أجيال مستمر، ولكنه يتخذ في واقعنا العربي طابع العنف والقسوة، ضد المرأة التي يلمح في طريقة التعبير عن أفكارها بادرة تمرد وثورة، ( ربما أخطأت بل أخطأت وارتكبت جرما….يطأك انكسار عميق لتجد أنك بحجم تفاحة، أو ربما سارق تفاحة ، بل أنت من أغوى حواء وأدام بأكل التفاحة…) تصبح الفتاة بهيئة شيطان يغوي على الخطيئة .
القصة تجسد انكسار المرأة، في واقع لا يعترف لها بحق التفكير حتى لا تتجاوزه للتعبير، وتنتهي القصة بالسكوت متواطئة مع جرحها وقسوة والدها عليها (قلت له: وقعت وحين وقعت اصطدم رأسي … بينما الطبيب يداوي الجرح نظر إلي وأشار إلى اخي وقال على سبيل المزاح : لا بد أن أخاك ضربك….. ضحكت ..ضحك الجرح لكن بطريقة أخرى ) أن نزيف الجرح هو تلك الرمزية المعبرة عن ألم الفتاة، التي لن تستطيع الإفصاح عما يعتمل قلبها من انكسار وتخاذل، ولقد وجدت أن هذه القصة كانت هي العنوان الحقيقي للمجموعة لأسلوب السرد الشيق المكثف، واللغة المقتصدة، بالإضافة إلى بنيانها القائم على الحدوتة، وسرد يسير بالحدث عبر فتح أسئلة تواجه الواقع بما يحمله من مطبات اجتماعية يحفل بها، وعنف ذكوري غير مبرر موجه إلى المرأة ، وهنا يقول الأستاذ حسين الواد في كتابه ( مناهج الدراسات الادبية) إن النصوص تعكس الحياة التاريخية الفردية أو الجماعية يتفاعل معها الأديب ويصدر عنها، وهي تعكس ما في باطن النفس من عقد ومركبات وأساطير وهي تعكس الواقع الاجتماعي…) مما يدلل على أن النص الأدبي ما هو إلا أنعاكس حقيقي في مرآة المبدع، ليصبح كل نص ما يشبه الانكسارات الضوئية على المرايا، إذا أمنا بهذا المعيار يكون ما اتخذته الكاتبة من أسلوب سردي جعلت فيه الراوي يضطلع بالدور المعرفي والعالم لمجريات الأمور، وما تخفيه النفس البشرية من أسرار، هو أسلوب مبرر، إلا أن صوت الراوي يصبح في بعض الأحيان عال ومقاطعا للسرد معلقا على حقيقة، ربما هي وليدة تجربة خاصة ورأي معروف ، ومصدرا حكما قطعيا علي القيم والمفاهيم( …الذين لست أدري إن كانوا صالحين وكلماتهم تصل إلى أبواب السماء…) من قصة الفستان الأبيض.
(..دخلت الفتاة مدرستها حيث استقبلتها صديقاتها، صديقات السوء، وهنا تتغير الملامح من ملامح طالبات إلى ملامح أخرى…) من قصة اعتداء علىاشارة المرور ومن نفس القصة(.. حين تراها لا تحسب أنها بنت ناس، وبنت ناس ليس كما يظن البعض ابنة عائلة مترفة، بل تعني ابنة عائلة محترمة….) هذا الأسلوب في الغالب، يولد تطابق بين الراوي والكاتبة حيث يتوجب عليها إدراج قيمة اجتماعية أو عظة دينية أو دحض سلوك رخيص ( اعتداء على اشارة المرور)
ولأن السرد كان مبنيا، على صوت الراوي العالم، حيث تتبدى مشهدية الحدث الجاري في الحاضر مشتبكا مع ومضات من الماضي معتمدة على التكثيف ومتكئة على سردية شعرية، متوقفة عند تفاصيل تخدم الشخصية وتضعها في مناخها الملائم(..أصوات السيارات تعلو من حين لأخر في لحظة تتشابك فيها عند الطرق، وأحيانا تتبادل الألسنة الكلام البذيء، الذي يخدش حياء هذا الصباح…)أو وفقا لفكرة تؤمن بها الكاتبة تحدد هي بنيتها مما يجعلها قادرة على سوق الشخصية إلى نهاية مرسومة بدقة، وغالبا ما تكون أحاسيس الشخوص إزاء ما بلغته من معاناة هي الخاتمة التي تليق بالقصة، فنجد أنها شخصيات عاجزة عن إيجاد مخرج ملائم واقعي أو حلول لأزمتها إلا بالتعبير عن مشاعرها في اللحظة الأخيرة، يتكرر ذلك في قصص( الوشاح الأسود ، اعتداء على إشارة المرور الفستان الأبيض، وغيرها)
القصص القصيرة جدا نصوص ملتبسة بين النص المفتوح والرؤية أو الخاطرة، تتحرك ضمن هوامش حلمية فتتواطأ الشخصية مع حالتها الوهمية متحولة إلى حالة واقعية بظروف غرائبية كما في قصة ( العنكبوت، قشعريرة الضوء)
لكن القصص في مجموعها تشكل، التقاطات بالغة الدقة مدعمة بأسلوب سلس لوصف مجريات الحدث، وبشكل مفعم بالدلالة في آن واحد، إن تلك الالتقطات مأخوذة من رحم المجتمع، علاقاته مفردات حيواته، وقائع أناس يحيطون بنا، حتى خرافاتهم وموروثهم الشعبي كل ذلك داخل نسيج من ثنائيات متضادة مررنا بها أو على بعضها كما الموت والحياة( الوشاح الأسود) العنف والسلام ( جرح ضاحك) الحلم والواقع( الفستان الأبيض )
أن مجموع هذه الباقة من الثنائيات هو تأكيد على الصراع المستمر بين الخير والشر، وقد أتت مجمل القصص في لغة سردية متميزة بشعرية واضحة تصر الكاتبة على إيجاد تراكيب تتفرد بها لتؤكد على أسلوبية تعتمدها في ربط الأحداث، ويحسب لها عدم وجود الكثير من الاستطرادات والذي غالبا ما يقع الكاتب ضحيتها في أعماله الأولى، فنجد أن القاصة رحاب شنيب استطاعت القبض على خط السرد في عملها الأول، وكان من الممكن تجاوز بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية، وهي وأن وجدت قليلة، لم تؤثر على تقنية القصة، لكنها ربما كانت اكتملت الصورة الجمالية للعمل لو تم تجاوزها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات | السمات:دراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 26th, 2008 at 26 أبريل 2008 10:55 ص
شكرا على هذه المتعة الحسية التى من حلال تقديمك لهذه المجموعة احسست بها رغم امى لم اقرا هذه المجموعة بعد
ولكن من خلال تناولك لها بهذا التحليل السهل الممتنع اعتقد انك قدمت لنا الدعوة من اجل الولوج فى قراءة هذه المجموعة
دوما ااقول انى اكون فرحا عندما التقى بعشاق الحرف والكلمة وعشاق الانصهار فى بوتقة الكلمة الجميلة والحرف الذى يمنح القلب بعض مافقد من لذة المعانى وجمال الاهات
دوماتبقى الكلمة وقوة الكلمة وابداع صانع الكلمة ويبقى دوما الكثير من الاقلام التى تأبى الى ان تنطلق الى افاق لايدركها الخيال
اكون فرحا عندما اكون مع عشاق الحرف العربى ومدمنى الكلمة التى تحمل هنا وفرحا وحزنا
الكلمة التى تعبر الافاق من اجل ان تقول ما قد لايقال فى الكثير من الازمان
الكلمة التى ترسمها رزان تبقى فى ذاكرة الروح
نبقى فى ذاكرة الاحساس
تبقى الكلمة وحيا روحيا يلتقى وينصهر مع كل عشاق الحرف والكلمة
دام قلمك
دام احساسك نهرا معطاء متدفقا ابديا الانسياب
قد لا اكون قادر على صوغ كلما يعطى حقك
قد تعجز كلماتى البسيطة على ان تفسر ماقد نفشل فى ان نفسر
قد لاتكون لدى المقدرة فى ان ان اكتب لك عن فرحى الابدى عندما التقى اقلام تحاول فك طلاسم الجهل وسبر اغوار التحلف والقاء ولو بقعة ضؤ فى ضلاما لانتمنى ان بسود
اتمنى لك الحير زادا ابديا
اتمنى لقلمك استمرار ابديا من اجل ان يكون كما احببت ان يكون
أبريل 26th, 2008 at 26 أبريل 2008 11:05 ص
الصديق عبد السلام
شكرا لدوام الاطلاع والمتابعة هنا
كل املي تقديم مايمتع وما يفيد
لأن الباحث عن المعرفة يرغب من الكاتب الاحترام
اتمنى انني احترمت جميع الاصدقاء بتقديم الجيد
شكرا للمرور
أبريل 26th, 2008 at 26 أبريل 2008 1:44 م
تحياتي ست رزان .. قراءة رائعة .. فعندما يركب الفستان الأبيض عربة الحزن فهذا يشير الى أنه ثمة مكبوت هناك فى أعماق النفس .. اتصور أن رحاب كشفت اللثام عنه وقراءتك جعلته أكثر سفوراً .. لكما كل الإحترام والتقدير وكذلك الإعجاب .
يونيو 3rd, 2009 at 3 يونيو 2009 9:19 م
شكرا للقاصة رحاب على هدة المجموعة الرائعة …….عادل باله
نوفمبر 2nd, 2009 at 2 نوفمبر 2009 12:59 م
ببقثقفبيبث