
متابعة وصلت بالايميل
وقائع ثلاثة أيام في الملتقى الثاني للرواية المصرية المغربية
الرواية
وأسئلة التخييل والمجتمع
الدار البيضاء – شفشاون
حول الرواية المصرية والمغربية التأم جمع من النقاد والباحثين المغاربة ، وخلال ثلاثة أيام من تنظيم مختبر السرديات بالدار البيضاء ومندوبية وزارة الثقافة بشفشاون ،حيث عرفت مقاربة (14) نصا روائيا مصريا بالدار البيضاء خلال يومي 14و15 ماي 2009 فيما تمت مدارسة (8)روايات مغربية يوم 16ماي بمدينة شفشاون .
وقد افتتح شعيب حليفي هذا الملتقى الثاني للرواية المصرية المغربية بالكلمة التالية :
· الكلمة التقديمية لشعيب حليفي
أود في البداية أن أشكر كل النقاد والباحثين الذي لبوا دعوتنا وساهموا في إنجاح هذا الملتقى الثاني للرواية المغربية المصرية سواء بحضورهم الفعلي أو بمراسلتهم لنا بعد تعذر مجيئهم لأسباب قاهرة .
كما لا تفوتني الفرصة لتقديم التحية إلى د/محمد برادة ود/ جابر عصفور اللذين كانا وراء التأسيس الفعلي لفكرة ملتقى الرواية المصرية المغربية منذ 1996 ، إلى جانب نخبة ممن شكلوا عماد الملتقيات السابقة . ونحن اليوم هنا لمواصلة هذا السبيل من أجل استمرارية الحوار الثقافي .
كيف يتم التقاط دورات الحياة بكل آفاقها الرحبة، والمتغيرات التي تغمرها بكل حمولاتها من تاريخ ووقائع وأشتات أحلام؟.
والرواية ،اليوم ، تفكر بشكل أجلى وأكثر جرأة وصدقا من باقي الخطابات ، خصوصا حينما تتأهبُ للحكي عن الذات والآخر،لأنها تحسن الإنصات وتجرؤ على البوح والدفاع عن قلعة الخيال المتاحة للجميع. كأنها تستفز الحنين الراقد في أحشاء رماد لا تذروه رياح..لأنه سماد التخييل ، وأعتقد أن الرواية هي رماد كل الثورات المغدورة والتي تلاشت وتحولت إلى تخييل روائي ، لذلك فإن أمة بدون خيال أو تخييل تستحق أن يضعوا حولها سياجا من حديد . ونحن أمة لا نملك غيره بديلا عن أصواتها التي فقدناها أو تلك التي ضاعت منا وسط خطابات مفتونة بالكذب والوهم .
لا يمكن أن تكون الكتابة التي تنجز داخل جغرافية واحدة معزولة عن كل العناصر المشكلة لهذه الجغرافية من عوامل لا محدودة تساهم في بناء أي نص أو خطاب ، بدءا من ثقافة الكاتب وأسلوبه في صوغ التعبير عن رؤاه ولغته وتأويلاته ، ثم السياقات والأنساق وكل العناصر المنفلتة .لأن الروائي صانع بالدرجة الأولى بأساليب وأدوات فنية وتقنيات تحول كل ما يلتقطه من خامات أو رماد إلى أشكال ذات دلالات حية ومتفاعلة تمر عبر قناة التخييل وكل" اللعب البلاغي" الذي يعتمده الروائي في ورشته الخاصة.
الرواية ،بهذا المعنى، تخييل يعود إلى الواقع ليلاعبه ويصارعه ، إنها مثل العلم ،تجر عناصرها ، الحقيقية أو الوهمية، إلى مختبرها لتحولها إلى خلق آخر قابل للإنباء وحمل أصوات الراوي الظاهرة والباطنة ، الأصيلة والمزيفة عبر روابط بلاغية ونوافذ تضيء بالسخرية والنقد معاني بينة وخفية .
قدرة التخييل الروائي في النص المصري، الذي نجلس حول بعض نماذجه للمدارسة والتفكير، أنه يتجدد باستمرار وهو يفرك اليومي ويحاوره بفنية متجددة ليصنع منه لؤلؤا شديد الأثر في النفس انطلاقا من صورة الريف الرائقة بلغة حكاء ماهر هو يوسف أبورية .أو التماس استيلاد صور الواقع من الأسطورة داخل قرية صغيرة في إبداع سعد القرش أو استحضار الأسطورة والحكاية الشعبية لنقض البطولة كما عند محمد العشري .أما الروائية أمينة زيدان فإنها تختار العودة إلى أرشيف منسي لمدن الهامش ،لتكتب ضد المرحلة الراكدة وتحفر في الوعي والهوية في مواجهة زحف الاختلال العالي وقد أصبح مألوفا وثابتا.
وكما ترتبط الرواية المصرية بروحها الحية الطموحة ، المتوثبة العطشى، فإنها متصلة في رحابة السرد باستشراف المحتمل ومصارعة نروده، كما هو الحال مع وحيد الطويلة ، أما سعيد مكاوي فيواصل تجدير أسئلته الجمالية بقلق فني واجتهاد ملموس وهو يلاعب الخيال بين طبقات المعاني.
أليس التخييل الروائي هو جوهر الحياة وديمومتها ؟أليس هو لون الفجر والانفراج والبحث عن نهار جديد بتجريب آخر والحفر في الدلالات عن بوح ممكن بصيغة جديدة وتمثلات تعبر عن رغبة في القول وهو ما نلمسه بخصوصيات كل تجربة عند خليل الجيزاوي وطارق إمام ومصطفى ذكري ومنى برنس وسيد عبد الخالق وفؤاد قنديل وهويدا صالح ونائل الطوخي .
أربعة عشر نصا روائيا تضيء جزءا من التجربة الروائية المصرية ونحن لا نبث فيها سوى عن تعبيرات التخييل وتطلعاته .
· وقائع اليوم الأول
في بداية جلسة المداخلات تناول عبد الرحيم مؤدن موضوعا بعنوان (حكاية قرية في حجم العالم في رواية أول النهار لسعد القرش ) وهي رواية تدور، يقول الباحث، حول قرية تنهض من العدم بعد أن اجتاحها النيل‘ وغادرها أهلها إلى مكان بعيد ‘ سموه "أوزير".وتبدأ الحكاية‘ من جديد‘ حكاية الموت والحياة‘الوجود والعدم.
وما حدث لقرية "ماركيز" في مائة عام من العزلة‘ حدث ‘أيضا‘ لقرية "أوزير"مع الفارق الاجتماعي والتاريخي..
قرية منعزلة عن العالم‘ ومنتمية إليه في أن واحد.عزلة الطين‘ وانفتاح الماء(النهر) على الخير والشر‘المقيم والمهاجر‘ الغريب والعشيرة‘الغاصب(الفرنسى) والمقاوم للاحتلال ..
قرية بناها اثنا عشر فردا، بعدد شهور السنة‘ فتحولت إلى أسطورة تجاوزت كل السنوات،وتعاقبت عليها سلالة (عمران)، عبر ثنائيات الحب والحقد‘ الحرية والعبودية‘القوة والضعف‘ الجسد والروح…
رواية نهرية،تتعاقب عليها الأجيال،وهي تصارع قدرها الذي تداخلت فيه لحظات المتعة بلحظات اليأس‘وتشتعل فيه المأساة في لحظات الانتصار‘ وتزرع بذرة الأمل في لحظات الموت ،أوالغياب.
أول النهار في هذه القرية قد يكون أول الخليقة‘ قبل أن يكون ولادة يوم جديد، بعد أن تحولت القرية إلى أسطورة واقعية،أو واقع أسطوري.
و حول ( الوعي والهوية في رواية (نبيذ أحمر ) لأمينة زيدان) اعتبر يوسف بلقايد أن الرواية فرصة لإبراز عناصر جديدة وداعمة في الكتابة الروائية بمصر والتي تحتاج إلى مقاربات أكثر جرأة ونوعية .
وهذه الرواية وفية للأسلوب العام للسرد المصري المحتفي بالحكاية وهي تنمو عبر أربعة فصول وعقود لتضيء وعي وجسد وأحلام "سوزي محمد جلال "، بدءا من الزمن الستيني ، رفقة عائلتها وأصدقائها وأعدائها ، وحول مدينة(السويس) التي عاشت الهزيمة والمقاومة بعد حرب يونيو 67 وحرب أكتوبر 73 من القرن الماضي ، حتى أن السويس المدينة وسوزي الشخصية المحورية صارتا إشكالا جديرا بالتحول إلى صور رمزية .
في الفصول الثلاثة الموالية ، تنكشف دائرة الأزمات وتتسع دون أن يجد العقل أو المشاعر حلولا للتساؤلات المركبة التي يفرزها الواقع اليومي لامرأة تريد أن تعيش حياة سلمية ، متحررة من كل الزيف المتنامي .
أما الأمر الثاني الذي يميز هذه الرواية ، فهو ليس فقط كامنا فيما أكدت عليه عدد من القراءات النقدية ، بالقول إنها (تتميز بالقدرة على الانطلاق من أرضية التنوع والتعدد في الأصوات إذ تسعى الذات الوطنية إلى التحرر من عدوان الذوات الأجنبية ، ويتوازى هذا السعي العام مع سعي خاص للتحرر الذاتي ) .
الرواية ذات بعد جمالي شديد الشفافية يجعل من فضاء السويس بأرضها وتاريخها ورجالاتها ونسائها مكانا رمزيا وجسرا ساخنا لتمرير أرشيف شخصي متخيل لذات هي الأخرى رمزية تمثل وعيا يصارع أرشيفات أخرى وينتقدها دون أن يقول بأنه غير زائف أو لا ينتج زيفا آخر .
والرواية تحوي بداخلها روايات تختار دمجها ضمن جنس السيرة ، سيرة المدينة والمرحلة والأسرة والذات والآخر ، وعبر كل هذا سيرة النكسات والانحدار السريع ، مقابل الانتصار الوحيد للوعي بالكتابة والبحث باعتبارهما مجالا للتحرر والتطهر.
الرواية في عمقها الدلالي بحث في بديهيات ومسلمات وفي كيفيات نقضها ثم إيجاد بديل نسبي قاربته الكاتبة بوعي تجريبي، باعتمادها البعد الجمالي للتخييل، انطلاقا من لغة انسيابية متوالدة وسط صور مبتكرة تبتعد عن التقليد ، وترصد في بساطة ومرونة كل التحولات ذات العلاقة بالصراع والهوية .
كما تنبني الرواية على الحب والكراهية ، الوعي الثوري والوعي الزائف وبحث عن الأرشيف المنسي في علاقات حاسمة بين يهوذا والمسيح ، بين أندريا جورجاني وأسعد ، بين عاطف وعصام ، بين كل هؤلاء وسوزي …ثم تنتصر الكتابة على هشاشة الصمت والتاريخ والذاكرة المثقوبة ؛تنتصر على الإنكار القاسي والإهمال لمعالم الطريق وكل ما كان من الممكن أن يصنع الجمال، لأن الفرق في الرواية بين (الحقيقي والمعلن شاسع إلى حد الاغتراب)ص7.
وتروم المداخلة التي قدمها ليديم ناصر بعنوان (حينما يصبح القتل شعرا و تصبح الرسائل حياة قراءة نقدية في روايتي هدوء القتلة لطارق إمام و الرسائل لمصطفى ذكرى) مقاربة متنين سردين لكاتبين مصريين بتجربتين متباينتين، انطلاقا من محاولة استشعار الأبعاد و المحددات الكامنة وراء تحريك الآلة السردية عبر مجموعة من الميكانيزمات و الأدوات الإجرائية المسيِّرة للحكي في تجاه اللاحكي. كما أن هذه المداخلة ستحاول القبض على المشترك النصي بين الروايتين اعتمادا على تيمة الحقيقة و الخيال مستحضرين بذلك تخييل الحقيقة في المدونة السردية للروائيين، و الكيفية التي تناولا بها هذه الآلية الابستيمية.
هدوء القتلة لطارق إمام، بوصفها نصا روائيا يحتفي بالموت والقتل داخل المدينة الضيقة/الشاسعة،حيث يتم تخييل فعل القتل باعتباره حقيقة فيزيقية إلى مقام الفن و الخيال باعتباره فعلا راقيا يوازي كتابة الشعر، ومن ثمة تنجلي قناعة الروائي للربط بين القتل و الشعر وتحديد أوجه التقاطع الممكنة و المحتملة.
كل هذا الزخم الروائي يقوده البطل/ القاتل/الشاعر، الذي يبدع فعل الشعر باليد اليسرى ويبدع فعل القتل باليد اليمنى، ويحرص على وشم إبداعاته اليمينية على جسده المترهل و المنهك بعاديات الزمان، لكنه مع ذلك يحرص على أن يكون نظيفا.
هذا البطل العجائبي بطبيعته المخصوصة التي تحتمل كل التناقضات التي تعيش في تساكن ووئام حينا، وفي تنافر وخصام أحيانا أخرى، وذلك انطلاقا من حمولة ميتافيزيقية تخيليه هائلة تمكنه من الانتقال عبر الشروط الزمكانية من خلال مونولوجاته مع نفسه القائمة و المتخيلة، ومع باقي الموجودات و الكائنات التي لا تشترط فعل التفكر والتعقل.
الرسائل لمصطفى ذكرى، متن سردي تراسلي من خالد إلى مريم حاول من خلاله الروائي و القاص و السيناريست مصطفى ذكرى مقارعة النمط التجريبي من زاوية مخصوصة عزَّ مطلبها بين مختلف المتون السردية المتعارف عليها، ولعل تعدد انشغالات الكاتب جعلت منجزه السردي يمتح من أجناس سردية مختلفة أضفت عليه نوع من"الهجنة السردية"، انطلاقا من حمولة حكائية يفرض فيها الحوار الداخلي سلطته مهيمنا على باقي الآليات و الأدوات الإجرائية السردية. مع الاعتناء الدقيق برسم أدق التفاصيل غن شخوصه.
المداخلة الموالية لمحمد خفيفي (الحكاية والدلالة في رواية خيال ساخن لمحمد العشري)والتي اعتبر فيها الرواية تجربة إبداعية لا تعلن ال
المزيد