ربع المكافأة
قصة قصيرة
ربع المكافأة ..!
رزان نعيم المغربي 2000-11-18
زعق بوق السيارة خلفي ..فانتزعت جسدي من على قارعة الطريق، وحاولت الجري إلى محاذاة الرصيف، لكن السيارة هدئت من سرعتها ووقفت إلى جانبي ومحركها دائر،وسمعت صوتا مألوفا يخاطب مسمعي :
- سيدتي ، صباح الخير ..لك رسالة من الشركة ..؟
- هذا أنت عم محمد ..!!؟
- تفضلي ، هذا المظروف ..وقعي لي بالاستلام لو سمحت ..أنا مستعجل ولا وقت للقراءة من فضلك …
- حاضر ..حاضر..أين … هنا ..لا بأس كيف حالك وكيف أسرتك الكبيرة وانطلقت أسأله عن أحواله بسرعة وحميمية لم تكن بيننا من قبل…. واهدي تحياتي لكل من يعمل، ومن بقي في الشركة لحد الآن……
كل شيء تم بسرعة، ودون تفكير، حتى انه انطلق، ودارت عجلة السيارة بلمح البصر، وأنا مازلت أتحدث إليه.. وكلماتي تتناثر في الفضاء … وتغيب في ضجيج الشارع وزحام المارة .. ولمت نفسي لأنني تكلمت معه، بعاطفة وليدة الساعة ..ومن قبل كنت أتعامل معه على انه مجرد سائق يعمل معنا ..؟
لكنني لم أنس أن أحمد الله.. لأنه وجدني في الشارع المؤدي إلى الشركة، وإلا.. كان عليه أن يذهب إلى البيت ولا يجدني وربما تأخر في توصيل ما كلف به .. الفضل يعود إلى مشاويري الصباحية … كل يوم ذهابا وعودة على طريق الشركة التي كنت أعمل فيها..ولا ادري لماذا اخترت هذه الطريق بالذات، ربما لحنين تأصل بي حيث اعتدت عليه لسنتين خلت ..؟ وأنا الآن اقنع نفسي أن المشي كل صباح.. لنصف ساعة من الوقت مفيد للنفس والجسد.. ..
وتحسست المظروف في يدي …وترددت في الاطلاع عليه ..هكذا في الطريق العام ..لا..غير لائق …وأخذت أخمن محتواه …وتبادر لي أنه يحتوي على صك ..صك ..نعم ، وربما رسالة شكر…؟
آه ،بالطبع لابد أن يكون صكا” …قيمة مكافأة مالية طال انتظاري لها …ولم تأت ..!
منذ أن التحقت بالعمل لدى هذه الشركة الخاصة ..وحتى انتهى العمل بها ،والحقيقة أنا الآن لا اعتبر نفسي منفكة عن العمل، مع صاحب الشركة وربما لست عاملة ..لا أعرف وضعي تماما ..وهذه إحدى مشكلات العمل في القطاع الخاص حيث المزاجية والظروف الخاصة، وعلي تحمل الوضع لأنني ضحيت بعملي السابق في شركة كبيرة وضخمة… تضمن حقوقي مقابل العمل هنا.. مع رجل أعمال يمتلك الكثير من الشركات لكنه يدفع رواتب مغرية جدا …وخصوصا أنه قدم لي عرضا جيدا ووعودا بزيادة المرتب ومكافآت …لهذا لم أندم على التخلي عن عملي السابق …
عدت أتحسس المظروف …لماذا أمسكه بيدي ..؟؟؟ توقفت للحظة ..وفتحت الحقيبة ودسسته،شعرت بالاطمئنان …فتابعت سيري وأنا أتذكر لقائي قبل أسبوع واحد، بالمستشار القانوني للشركة ،حيث ذهبت لطلب لقاء المدير، بعد أن طالت المدة وأنا أنتظر في البيت دون مرتب ..ثم أنني لم أبحث عن عمل آخر ..!! فالمدير وعدني بشكل جدي ..حينما استدعاني ذات صباح ليقول :
- أعتذر منك …الظروف ستضطرني لأقفال المكتب ..لكن تأكدي أن حقوقك ستصلك ..ثم لا تبحثي عن عمل ..لأن عملك مضمون لدي وبعد أقل من شهر…أقصد في شركة جديدة أقوم بتأسيسها .. أعطني فرصة وسيكون كل شيء على ما يرام ..
- شكرا لك ..!
- لكن عليك بالاتصال بنا بين الحين والآخر …
وترددت مرة اثنتين ،وفي المرة الثالثة قابلني المستشار برأي غريب لم أفهمه تماما إلا الآن ..قال لي:
- لو سمحت اكتبي لي طلباتك هنا على هذه الورقة ..!
- ليس لدي طلب معين ماذا تقصد ..؟
- الحقيقة ربما كنت تحتاجين لرواتبك المتوقفة حاليا وأنت كنت موظفة مخلصة والمدير قال لي :ادرس طلبها..!
- هكذا .. ولكن من المفترض انه سيفتتح شركة جديدة عما قريب وتعود الأمور لما سبق ..؟
- لا بأس ،لا باس من أعطاك حبلا”قيده به ..!
“وضحكت من تعبيره لكن ردي كان سريعا وحازما” ومفاجئا” له :
- أنا لا استخدم الحبل للتقييد فقط ربما للشنق لأنني أكره التقييد..
ولمحت طيف ابتسامة صفراء تعلو شفتيه ..وأمسكت القلم وكتبت على الورقة ما صار لي من استحقاقات عندهم:
رواتب ستة أشهر متوقفة ..وعمل إضافي لمدة سنتين لم يصرف منه شيء وتعويض عن إجازات لم أقم بها وتتجاوز الشهرين، وأيضا كل ما ترونه مناسبا من تعويض عن كل الدراسات والأعمال التي كلفت بها خارج نطاق عملي …أجل فكل العروض التي يقدمها المدير إلى الشركات والجهات أقوم بتحليلها ثم متابعة العمل حتى نهايته وأشرف على العاملين أيضا ليقوموا بواجبهم وهذا يتطلب جهدا وصبرا واستمرارية في العمل إلى ما بعد أوقات الدوام الرسمي …!1
وأنهيتها بالتحية والشكر والسلام …وعدت مطمئنة لحسن تقديره ،وكلي أمل في كرمه وعطائه، وأنا التي سمعت منه شكاوى كثيرة عن أصدقائه الطامعين في كرمه، الذي يفوق الوصف….. وبالرغم من تبرمه لكنه صارحني أكثر من مرة، انه يفضل خسارة جزء من ماله على أن يقال عنه إنه بخيل
أنا لم أطمع به في يوم من الأيام، بكل ما أتمنيني عليه.. من نقود، لأن الأمانة واجب أؤديه وليست منّة له ..لكنني أعلم انه رجل أعمال مقتدر .
الآن، جاء وقت التقدير ….لقد تجشم عناء احتساب ما استحقه، وقام بتحرير صك.. وأخمن أنه كان كريما معي …كما هو مع الجميع ..الله يا للسعادة كم أحتاج هذه النقود في مثل هذا الظرف …! وهو لابد أن يكون معي طيبا ورائعا ..





















