همس القوارير لتركية عبد الحفيظ

أبريل 2nd, 2008 كتبها رزان نعيم المغربي نشر في , مقالات

750ima

همس القوارير

تجربة جديدة في القص الساخر

        إن تناول نص سردي وقراءته ، يتطلب مرجعية نقدية عالية ، ولأنني لا أدعي ذلك فأنا هنا أبين  بعض خصائص النص الإبداعي في القصة القصيرة للكاتبة الشابة تركية عبد الحفيظ، وذلك احتفاءً به لأنه يترك أثراً خاصاً لدى أي قارئ ، وأيضا لأنه وفي كل قصة من المجموعة الموسومة (همس القوارير) ، دلالة ترتكز على الواقع المعاش، وصياغة خلاقة طرحتها القاصة من خلال هذه المجموعة،  والتي تعد  باكورة أعمالها الإبداعية، فقد دخلت الكاتبة عوالم التجربة القصصية المعاصرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهي مهمومة بالمحيط والواقع، وإذا حاولنا أن نجمل النصوص بعبارة لنضعها في سياق ما تتجه إليه، فلا أجد إلا صفة نص إبداعي نقدي ساخر، وكلمة ساخر هنا اعني بها أن لكل قصة خاتمة تتسم بعنصر المفاجأة الساخرة، من المفارقة التي تقحمنا فيها الكاتبة على مدى الوقت المستغرق في قراءة النص.

 فضاءات السرد:

 لم تحاول الكاتبة أن تجعل الأبواب مقفلة على معظم شخصيات القصص بل انطلقت بها إلى الشارع والمقهى وفضاءات العمل وعادت أحياناً إلى الغرف المغلقة على هموم الناس وكان الإطار الزمني يتراوح بين الراهن والماضي القريب فهي هنا ابنة هذا الواقع تتعايش مع الشخصيات وترصد انفعالاتها الداخلية وتأثير الظروف المحيطة بها من عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية.

 الكاتبة تركية قدمت نصاً إبداعياً ناضجاً يبتعد كثيراً عن وصفه بالعمل الأول، وهي تتلاقى مع بعض الكتاب الذين لم يخرجوا للقارئ إلا بعد تمرس ونضج في كتابة النص القصصي، وهذا يدل على أنها تمتلك حساسية عالية تجاه الكلمة ومسئولية بالتالي أمام المتلقي، فنجد أن العمل يبتعد تماما عن الإنشاء الشعري غير المطلوب كما أنها قادرة على تكثيف اللحظة في الحدث وسوقها بجمل حارة وطازجة.

 الشخصيات:

قدمت الكاتبة تركية عبد الحفيظ شخصيات العمل الفني ضمن إطارها الموضوعي وعالمها الافتراضي فكانت الشخصيات تدور في فلكها المعتاد والطبيعي .

       واختارت نماذج إنسانية وضعتها في دائرة الضوء وهي تحمل شحناتها الانفعالية لخدمة النص ولم تشكل عبئاً عليه ، فبات حضورها طاغياً وموظفاً أيضاً ، وحاولت رصد العوالم الداخلية والخارجية لها بوصف مقتصد ، وتركت للشخصيات في اغلب القصص أن تطرح نفسها وفق منظومة سردية بالغة الدقة في التعبير.

        مما يلفت الانتباه الاشتغال على بعض الشخصيات، التي كان لها تماس مع شخصيات حقيقية وكأن الكاتبة تقول للقارئ، من الممكن أن تكون أنت بطل قصتي القادمة !!. أو لابد وأنك صادفت هذا البطل في مكان ما قريب منك .

هذا الأسلوب السردي الواقعي يتماشى مع المعاصر الذي بدأ يطالب بتصوير الواقع، والمقصود هنا ليس التوثيق والتسجيل والابتعاد عن الخيال الأدبي، بل العكس ، إذ أن الكاتبة تعتمد طريقة المر

المزيد


الكتابة صورة

مارس 26th, 2008 كتبها رزان نعيم المغربي نشر في , مقالات

الكتابة صورة

توطئة              رزان نعيم المغربي

 أيهما الأسبق تاريخياً، الكتابة أم الصورة ؟

مثل هذا السؤال يستدعي العودة إلى أصول الكتابة والصورة، واستتباعاً الأصل الأول للمستويين الإفتراضيين ( الكتابة والصورة ) باعتبار أن هذين المستويين يتواشجان جبراً لاخياراً، فالكتابة صورة، لذا كان العرب يسمون المكتوب رسماً .. يقول:( أبو يزيد البسطامي) مُحاججاً المخالفين له : لقد أوتيتم بعلومكم رسماً عن رسم وميتاً عن ميت أما نحن فنأتي به من الحي الذي لا يموت " (1) والإشارة هنا تطال الكتابة بوصفها رسماً، والمكتوب المتوارث بوصفه ( رسماً عن رسم ) .

إذاً نحن أمام مستويين للرسم ( الكتابة / الصورة)"، وبهذا  ينتفي الحاجز الدلالي بين الكتابة والصورة، فكلاهما صورة، غير أن الصورة في المكتوب تتخذ طابعاً أكثر تجريداً من الصورة المُجسّمة، فالمكتوب يستمد روحية الصورة من العناصر المكونة للكتابة، فالألف ممدود، والباء منقوطة، لكنه يتناسب من حيث الطول الإجمالي مع الألف، وهكذ سنجد أن معايير كتابة الأحرف مُجيرة على أنساق هندسية وأطوال قياسية يعرفها الخطاطون، وتُعتمد في أجهزة الطباعة بانواعها المختلفة .

وإذا كانت الكتابة أكثر تجريداً من الصورة فإن الصورة المجردة ( غير المكتوبة ) أكثر مرونة، فهي تحتمل التشبيه والتجسيم كما تحتمل التجريد والترميز، لكنها بأشكالها المجسدة والمجردة لاتخلو من تعبيرية تُجاور المعاني وتغيم في فضاء الدلالات، والحال فإن الكتابة تقدم صورة وصفية ذهنية بغض النظر عن ( الرسم الكتابي)  الذي أشرنا اليه سلفا .

اننا هنا ازاء تناص لا يتوقف عند حد ، بل يسير ضمن متوالية تصاعدية مستمرة، فالكتابة والصورة تمثلان مستوين لحقبة تتجاوزهما ، ذلك أن النص بالمعنى الواسع يشمل المكتوب والمرئي والمسموع، وهذا يعني أن كل اشكال التعبير نصوص وصور، وأن تلك الاشكال لا تشمل الاتصال المباشر عبر المرئيات المكتوبة، بل اشكال الإتصال ( غير اللفظي)  بما يشمل الموسيقى والإشارات والايماء وغيرها من طرق للتعبير غير اللفظي .

  نعود الآن إلى ما أشارنا اليه في المقدمة حول أصل الكتابة والصورة حتى نستبين وحدة عناصر الوجود في هذا الجانب، وسنرى ان الحق هو مصدر المكتوب والمصور، ولهذا بيان لا بأس من التوقف عنده قليلاً.

من المعروف بداهة أن الانسان أطلق الاصوات المتناثرة قبل ان يرسم، وسنجد الاشارة عند الرضيع الذي يخرج من بطنه امه صائحاً، فجهاز الصوت هو أول فعل آدمي يرمز إليه المولود،  لكن هذا الفعل صادر بدوره عن الجسد، فالإنسان يطلق الأصوات معتمداً على مخارج تلك الأصوات الراكزة داخل الجسم، فالألف ليس إلا صوتاً صدر من جوف الناطق، والباء صوت صادر عن تطابق الشفتين ، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الحروف التي تنبلج من ذات الأليات المشهودة في كل اللغات الانسانية وعند جميع مخلوقات الله من البشر والحيوانات.    

هذه المقدمة الأساسية تعني ان الانسان هو الوعاء الجامع للعلاقة بين المنطوق المكتوب من جهة، والمصور المرئي من جهة اخرى، غير أن هذه القدرة ماكان لها ان تتجلّى لولا الكمال الجسدي الذي منحه الله للإنسان وفضَله به على غيره من المخلوقات، وإذا أضفنا الى كمال الجسد مقام الروح والعقل سنتيقن بأن الأمر كله صادر عن الحق .

إن الاعتراف البدئي بهذه الحقيقة تجعلنا نستقرئ متوالية التسلسل والتكامل بين أنواع التعبير، فاللغة ليست كلاماً  بل إنها جمع للكلام بشقيه الشفاهي والمكتوب، والتشخيص النصي الكتابي الوصفي، والصورة المرسومة سواء بطريقة يدوية كما نعرف من خلال التشكيل أو عبر وسائط تقنية كما الحال في الكاميرا.

 ضرورة الصور في النص الابداعي

 

يقول( ريجيس دوبري) في كتابه ( حياة الصورة وموتها):  ظلت الصورة تعتبر كتابة حتى الظهور الحديث / قبل أربعة آلاف سنة / للطرائق الأولى للتسجيل الخطي للأصوات ويعتبر ذات طابع شعائري وأسطوري "  وأضاف " أن الآثار الأولى للكتابة ظهرت في الألف الرابعة قبل الميلاد، في بلاد الرافدين ثم بعد ذلك يبدو كما لو أن تجريدية الرمز المكتوب قد حررت الوظيفة التشكيلية للصورة من حيث هي وظيفة تنافسية ومكملة للأداة اللغوية " (2)

في هذا القول يضع (دوبريه) محددين للصورة والكتابة، فالكتابة في حالة اشتباك خلّاق مع الصورة، لأنها نبعت اساساً من الصورة، غير أنها انتقلت بالصورة من التجسيد والتشبيه إلى الترميز والتجريد، أما الصورة فقد كانت سابقة على الكتابة من حيث كونها تعبيراً شاملاً عن المرئي، فيما جاءت الكتابة لتستبدل الهيروغليفيا بالحرف. وبالتالي فإن الحرف برغم كونه صورة إلا انه مستودع يختزن في داخله قابليات لامتناهية من التصوير والتعبير أيضاً، والمثال الواحد يكفي ،فبعدد لا يزيد على 28 حرفاً نكتب بالعربية ملايين الكلمات بصورها ودلالاتها وأبعادها الشكلية والجمالية   .

 

 

 السرد والصورة

وإذا كان السرد فن الفنون الكتابية المتمازجة، فإن حضور الصورة في السرد سيجعلنا نقترب من تداخل المستويين، وحتى نستبين مركزية السرد في الكلام فإن علينا الاشارة إلى أن السرد يتناسب مع الأبعاد التالية :

·   تمازج عناصر كتابية متعددة ( الشعري

المزيد